يشكل النقاش الدائر حول القانون المنظم لمهنة المحاماة مناسبة علمية ومؤسساتية لإعادة طرح إشكالية دقيقة في فقه التنظيم المهني، تتمثل في تحديد الحدود الفاصلة بين المجال التشريعي الوطني والمجال التنظيمي الداخلي للهيئات المهنية.
فنجاعة أي إصلاح تشريعي لا تقاس فقط بسلامة المقتضيات التي يتضمنها، وإنما كذلك بحسن توزيعها بين النصوص ذات الطبيعة التشريعية العامة وبين الآليات التنظيمية الذاتية التي تتولى الهيئات المهنية وضعها وتطويرها، أو التي تضطلع بها الهيئات، الى جانب ما يدخل ضمن أعراف وتقاليد وأخلاقيات المهنة.
إن التمييز بين القانون المنظم للمهنة والأنظمة الداخلية للهيئات ليس تمييزا شكليا أو تقنيا محضا، بل هو تمييز وظيفي وجوهري يرتبط بطبيعة القاعدة القانونية، ودرجة عمومها وتجريدها، ومدى اتصالها بالحقوق والحريات والضمانات الأساسية للممارسين والمتقاضين على السواء.
فالقانون يفترض فيه أن يحدد المبادئ الكبرى والضمانات الجوهرية والإطار العام للمهنة، في حين تضطلع الأنظمة الداخلية بضبط الكيفيات التطبيقية والتفاصيل الإجرائية والتنظيمية التي تقتضيها الممارسة العملية، إلى جانب ما يتصل بالسلوك المهني الذي تؤطره قواعد الأخلاقيات.
وتتجلى الأهمية المؤسساتية لهذا التمييز في كونه يحقق جملة من الأهداف الاستراتيجية؛ فهو يكرس مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة باعتباره أحد مقومات استقلالها، ويجنب تضخم النص التشريعي وإثقاله بتفاصيل قابلة للتغيير، ويمكن الهيئات من التكيف مع التحولات المهنية والتقنية، ويضمن استقرار المبادئ العامة مع توفير مرونة في آليات التطبيق.
في المقابل، فإن التوسع في إدراج المقتضيات التفصيلية داخل النص القانوني يفضي إلى آثار عكسية، من بينها تجميد التطور المهني وربطه بإجراءات تعديل تشريعي معقدة، وتقليص هامش الاستقلال الذاتي للهيئات، وتكريس مركزية مفرطة في تنظيم شؤون مهنية يفترض فيها التدبير الذاتي.
ويلاحظ من خلال قراءة القانون رقم 66.23 أن نسبة مهمة من مواده تتضمن مقتضيات ذات طابع تنظيمي أو إجرائي كان الأولى أن تدرج ضمن الأنظمة الداخلية، الأمر الذي يقتضي تخفيف النص التشريعي وحصره في المبادئ والضمانات الأساسية.
ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك ما ورد في المادة 23 التي تنص على أنه “يجب على كل محام مسجل بجدول هيئة من هيئات المحامين أن يدلي لنقيب الهيئة في الأسبوع الأول من شهر يناير من كل سنة بما يثبت أنه:
- يمارس مهنته بمكتب يقع ضمن مجال اختصاص الهيئة المسجل بجدولها؛
- يمارس مهنته بصفة فردية أو مع غيره من المحامين بصفته مساعدا أو في نطاق مشاركة أو شراكة أو مساكنة أو في إطار شركة مدنية مهنية أو في إطار عقد تعاون مع محام أجنبي أو شركة مهنية أجنبية للمحاماة؛
- يؤدي في الآجال المقررة الواجبات المالية لفائدة الهيئة التي ينتمي إليها؛
- يتوفر على تأمين للمسؤولية المدنية الناجمة عن ممارسة المهنة.
يجب على المحامي، تحت طائلة المساءلة التأديبية، إشعار النقيب بكل تغيير يطرأ على وضعيته داخل أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ حدوث التغيير المذكور.
يشعر النقيب وزير العدل والوكيل العام للملك المختص بهذا التغيير داخل أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ توصله بالإشعار”.
هذه المقتضيات في نظرنا – وغيرها كثير – تتعلق بتنظيم الممارسة المهنية اليومية وآليات المراقبة والتتبع، أكثر مما تتعلق بشروط الولوج للمهنة أو فقدان الصفة. وهذه المقتضيات ذات طبيعة تنفيذية تقنية (آجال، وثائق، إشعار..)، وهي أقرب إلى القواعد المهنية التفصيلية التي يضبطها النظام الداخلي.
ونعقد بان إدراجها في النظام الداخلي يسمح بتعديلها بسهولة تبعا لتطور الممارسة (الشركات المهنية، الشراكات، الرقمنة..) دون الحاجة إلى تعديل تشريعي مع الاقتصار على الاشعار في حالة تغير المعطيات لا غير.
كما أنه من منطلق استقلال مهنة المحاماة، قد يفضل أن تناط تفاصيل تنظيم الممارسة بهيئاتها المهنية، في إطار الضبط الذاتي(autorégulation).
بالإضافة الى أن النص التشريعي يفترض أن يقتصر على المبادئ العامة والضمانات الأساسية، بينما تترك التفاصيل للنصوص التنظيمية أو الأنظمة الداخلية.
كما يمكن تعديل صيغة المادة 24 هي الأخرى بالقول بأنه من حق المحامي نقل تسجيله من هيئة الى أخرى وفق الشروط التي ينص عليها النظام الداخلي للهيئة. ويستمر المحامي في ممارسة مهامه بالهيئة المسجل بها الى حين صدور قرار في شأن طلب نقل تسجيله.
وتنص المادة 42 من المشروع على أنه يجب على المحامي المقبول لدى محكمة النقض باستثناء النقباء وقدماء المستشارين بمحكمة النقض والمحامين العامين لديها أن يثبت سنويا أنه خضع لتكوين مستمر لمدة 20 ساعة على الأقل ضمن دورات التكوين المنظمة بتنسيق بين المعهد ومجلس الهيئة المعنية.
ودون الدخول في مناقشة مقتضيات هذه المادة التي حررت من قبل قاض لا محالة لأنه لا يعقل أن يتم اعفاء النقباء والقضاة من التكوين المستمر وإلزام أساتذة التعليم العالي السابقين والدكاترة في الحقوق من هذا التكوين، فإنه من المستحسن أن يترك التكوين المستمر بتفاصيله للأنظمة الداخلية للهيئات.
ومن جهة أخرى تنص المادة 47 من المشروع على أنه: “لا يحق للمحامي الحضور في إطار ممارسة مهامه أمام الهيئات القضائية أو أمام كتابات الضبط أو كتابات النيابة العامة إلا إذا كان مرتدياً للبذلة المهنية”.
فإذا كان مبدأ ارتداء البذلة المهنية أمام الهيئات القضائية يندرج في المجال التشريعي لارتباطه برمزية المهنة ووقارها، فإن تحديد نطاق الحالات أو الامتدادات التطبيقية أو الاستثناءات الممكنة يمكن أن يندرج ضمن المجال التنظيمي الداخلي، خاصة إذا تعلق الأمر بآليات التطبيق العملي أو بحالات خاصة تفرضها طبيعة العمل القضائي.
كما تنص الفقرة الأخيرة من المادة 48 على وجوب قيام المحامي، عند الترافع أمام محكمة خارج دائرة نفوذ محكمة الاستئناف المحدثة لديها الهيئة المسجل بها، بتقديم نفسه والتصريح برقمه المهني الوطني للنقيب أو من يمثله، ولكل من رئيس الجلسة وممثل النيابة العامة والمحامي الذي يرافع عن الطرف الآخر.
ويلاحظ أن هذه الفقرة تتضمن تنظيما تفصيليا لآلية تطبيقية ذات طابع إداري وإجرائي، تندرج ضمن التدبير الداخلي لشؤون الهيئة، ولا تدخل في صميم المبادئ المؤطرة للمهنة، فضلا عن أنها تتطلب مرونة في التطبيق، خاصة في ظل كثرة المحاكم والتحول الرقمي واعتماد المعرف المهني الوطني.
أما المادة 60، التي تنص على أن المحامي يستقبل موكله بمكتبه، وأنه في حالة تنقله خارج دائرة نفوذ المحكمة الابتدائية التي يتواجد بها مقر مكتبه يمكنه القيام بذلك بمكتب أحد المحامين، وأنه لا يجوز له التوجه إلى موطن موكله إلا في ظروف استثنائية مع إشعار النقيب ومراعاة قواعد الوقار وأخلاقيات المهنة تحت طائلة المساءلة التأديبية، فإنها تتعلق بجانب تنظيمي داخلي أو مسطري لا يمس بالضمانات الجوهرية للمهنة، كما أن إدراجها في القانون يؤدي إلى تجميدها تشريعيا.
وبخصوص المادة 61، التي تلزم المحامي بحث موكله على تسوية النزاع عن طريق الصلح أو الوساطة أو غيرها من الطرق البديلة قبل مباشرة أي مسطرة قضائية، وتوجب عليه إخبار موكله بمراحل سير الدعوى والإجراءات المتخذة فيها وما يصدر بشأنها من مقررات، وتقديم النصح فيما يتعلق بطرق الطعن وآجالها، فإن الأمر يتعلق بتنظيم مهني وسلوكي يمكن أن يدرج ضمن النظام الداخلي أو ضمن مدونة أخلاقيات المهنة، دون حاجة إلى تكريسه بنص تشريعي.
أما الفقرة الثانية من المادة 72، المتعلقة بشكليات الوصل الذي يسلمه المحامي لموكله عند تسلمه مبالغ مالية، فيستحسن أن تترك للأنظمة الداخلية السهلة التعديل، بدل تكريسها قاعدة قانونية قد تصبح متجاوزة بفعل التطور التكنولوجي واعتماد الوسائل الرقمية.
وتبقى الملاحظة ذاتها قائمة بخصوص المادة 73 المتعلقة بدفتر الحسابات اليومية الذي يوافق عليه النقيب، وهو تنظيم أصبح متجاوزا في ظل الطرق الحديثة لمسك الحسابات والأنظمة الرقمية المعتمدة، مما يجعل من الأجدر إحالة طريقة مسك الحسابات إلى الأنظمة الداخلية حتى تتكيف مع التطورات السريعة التي يشهدها العالم الرقمي.
وإذا كانت العديد من المقتضيات الأخرى للمشروع لا محل لها في النص التشريعي، فإنه يتعين إحالتها إلى الأنظمة الداخلية للهيئات أو إلى نظام داخلي موحد. ويستند هذا التوجه إلى أساس مؤسساتي متين، قوامه احترام مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، وضمان مرونة التطبيق، وتقليص التضخم التشريعي، وتعزيز دور مجلس الهيئة كمصدر للشرعية المهنية، وتمكين المهنة من التكيف مع التحول الرقمي والتطورات المتسارعة دون حاجة إلى تعديل قانوني متكرر.
ومن ثم، فإن الإشكال الذي يثيره القانون رقم 66.23 لا يرتبط بمشروعية الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، وإنما بالوسيلة التشريعية المعتمدة لبلوغها.
فالتحديث لا يقتضي بالضرورة نقل كل التفاصيل إلى القانون، بل يقتضي التمييز بين ما يعد من صميم الاختصاص التشريعي، وما يدخل بطبيعته في نطاق التنظيم الذاتي.
وكلما حافظ القانون على هذا التوازن، كان أكثر انسجاما مع متطلبات الأمن القانوني وجودة التشريع، وأكثر احتراما لاستقلال المؤسسات المهنية.




