نتائج البكالوريا لسنة 2026 لا تستحق أن تقرأ فقط من زاوية الفرح المشروع بالتفوق، ولا من خلال سباق الأرقام الذي يختزل سنة كاملة من التعب في فاصلة عشرية بين معدل وآخر. هذه النتائج، بما أفرزته من معدلات مرتفعة ومتقاربة إلى حد لافت، تضعنا أمام سؤال أعمق من ترتيب الأسماء: هل نحن أمام نبوغ جماعي حقيقي، أم أمام منظومة تعليمية صارت تنتج الإجابة نفسها، باللغة نفسها، والمنهج نفسه، والخيال نفسه؟
المفارقة أن الفوارق بين المتصدرين أصبحت ضيقة إلى درجة تجعل الترتيب أقرب إلى تمرين حسابي منه إلى حكم تربوي حاسم. أجزاء قليلة من النقطة تفصل بين تلميذ وآخر، وبين جهة وأخرى، وبين “الأول” و”الثاني”. ظاهريا، يبدو الأمر مؤشرا على إرتفاع المستوى. لكن القراءة الهادئة تفرض سؤالا مقلقا: هل تقاربت المعدلات لأن التلاميذ ارتقوا جميعا إلى مستوى إستثنائي من الفهم والإبداع، أم لأن الإمتحانات صارت، في كثير من جوانبها، قابلة للتوقع والتدريب والإستنساخ؟
النجاح لا يدان، والتلميذ المجتهد يستحق التهنئة كاملة. فخلف كل معدل مرتفع ساعات من السهر، وقلق أسري، وضغط نفسي، وتضحيات لا تظهر في البلاغات ولا في الصور المنشورة. لكن الدفاع عن جهد التلميذ لا يعني إغلاق العين عن خلل أعمق. فحين تتحول المدرسة إلى ورشة طويلة للتحضير للإمتحان فقط، وحين يصبح السؤال التربوي المركزي هو: “ما الذي سيأتي في الفرض أو الامتحان؟”، فإن المعرفة تفقد معناها الواسع، وتتحول إلى مادة قابلة للحفظ والتفريغ.
ما يثير الإنتباه اليوم ليس إرتفاع المعدلات وحده، بل تشابه المسارات التي تقود إليها. تلميذ يتدرب على نماذج متكررة، ويحفظ منهجيات جاهزة، ويتلقى في دروس الدعم وصفات دقيقة للإجابة، ثم يدخل الإمتحان مسلحا بما يشبه دليل إستعمال لا بما يشبه عقلا حرا. يكتب مقدمة مألوفة، ويستعمل الروابط نفسها، ويحل التمرين بالطريقة نفسها، ويخرج بنتيجة عالية. هنا يبرز السؤال الأكثر إحراجا: أين تنتهي الجدارة، وأين يبدأ الترويض المدرسي؟
دروس الدعم، وقد إتسع حضورها خارج الفصل، لم تعد في حالات كثيرة إمتدادا طبيعيا للمدرسة، بل صارت تعويضا صامتا عن أعطابها. كانت الفكرة أن يجد المتعثر وقتا إضافيا للفهم، وأن يستعيد ما فاته داخل القسم، وأن يرمم ثقته في قدرته على التعلم. غير أن جزءا من هذا المجال إنزاح عن وظيفته الأصلية، وتحول إلى تدريب على الإمتحان لا على المعرفة، وإلى تسويق لمفاتيح جاهزة بدل بناء ملكات راسخة. هكذا يخرج التلميذ أكثر إطمئنانا إلى شكل السؤال، لا أكثر إمتلاكا لعمق الجواب؛ أقرب إلى تحصيل النقطة، وأبعد أحيانا عن معنى التعلم.
عبارة “بضاعتنا ردت إلينا” تبدو هنا شديدة الدلالة. فالمنظومة التي تعود التلميذ على الحفظ، ثم تفرح حين يعيد إليها ما حفظه، لا تنتج بالضرورة تفوقا معرفيا. إنها تنتج إستجابة ناجحة داخل شروط محددة. يتجلى الفارق بين تحصيل مدرسي يدرب التلميذ على إسترجاع جواب مألوف، وتكوين حقيقي يمنحه القدرة على مواجهة وضعيات غير مسبوقة. فالأول ينتج نجاحا قابلا للقياس داخل قاعة الإمتحان، أما الثاني فيبني عقلا قادرا على الفهم والتصرف حين تغيب النماذج الجاهزة.
الأخطر أن المعدل المرتفع قد يتحول إلى قناع إجتماعي يخفي هشاشة حقيقية. فليس كل من حصل على نقطة عالية قادرا على التعبير الحر، أو بناء موقف، أو نقد فكرة، أو إنتاج معرفة جديدة. وليس كل تلميذ متفوق في ورقة الإمتحان قادرا بالضرورة على مواجهة عالم يتغير بسرعة، ويحتاج إلى خيال، ومبادرة، وجرأة فكرية، وقدرة على الربط بين المعارف. المدرسة التي تكتفي بصناعة نقط عالية قد تربح موسما دراسيا، لكنها تخسر وظيفتها الكبرى: تكوين الإنسان.
من حق المجتمع أن يفرح بأبنائه المتفوقين، لكن من واجبه أيضا أن يسأل: لماذا تتشابه الأجوبة إلى هذا الحد؟ لماذا يقل الإختلاف في التعبير؟ لماذا تبدو كثير من الكتابات كأنها خرجت من القالب نفسه؟ هل صارت المدرسة تنتج تلاميذ أم نسخا؟ هل نمنح أبناءنا أدوات التفكير، أم ندربهم فقط على عبور الإمتحان بأقل خسائر؟ التلميذ الذي يحفظ كثيرا دون أن يناقش، ويكتب كثيرا دون أن يبتكر، وينجح كثيرا دون أن يتغير داخليا، هو ضحية منظومة أكثر مما هو دليل على نجاحها.
التعليم الحقيقي لا يخاف من الإختلاف. بل إن أجمل ما يمكن أن تنتجه المدرسة هو تلميذ له صوته الخاص، وطريقته في الفهم، وشجاعته في السؤال، وقدرته على الخطأ والتصحيح. أما حين يصبح الجميع متقاربين في اللغة والمنهج والجواب والطموح، فإننا لا نكون أمام عدالة في التحصيل فقط، بل ربما أمام تسطيح غير مرئي للذكاء. التميز لا يعني أن يحصل الجميع على الرقم نفسه، بل أن يكتشف كل متعلم طاقته الخاصة، وأن يجد داخل المدرسة ما يوقظ فرادته لا ما يطمسها.
المعدل العالي جميل حين يكون ثمرة فهم حقيقي، وخطير حين يصبح نتيجة تدريب ببغائي منظم. جميل حين يعكس نضجا ذهنيا، وخطير حين يخفي ذهنا متعبا من الحفظ، خائفا من المبادرة، عاجزا عن الخروج من النموذج. لذلك، فالسؤال الذي ينبغي أن يلي إعلان النتائج ليس فقط: من حصل على أعلى معدل؟ بل: ماذا سنفعل بهذه المعدلات؟ أي جامعة ستستقبل هؤلاء؟ أي تكوين سيحررهم من ضغط النقطة؟ أي مجتمع سيمنحهم فرصة ليكونوا مبدعين لا مجرد ناجحين؟
البكالوريا محطة أساسية في المسار الدراسي، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل. قد تفتح باب الجامعة والتكوين، غير أن ما يحتاجه المغرب أوسع من لوائح شرف ممتلئة بالأرقام؛ يحتاج إلى جيل قادر على التفكير خارج القوالب، وتحويل المعرفة إلى مبادرة، والنجاح إلى مسؤولية، والتفوق إلى أثر ملموس في المجتمع. أما الإكتفاء بالتصفيق للمعدلات، من دون مساءلة الشروط التي أنتجتها، فيمنحنا شعورا مريحا لكنه مضلل.
تضعنا نتائج 2026 أمام مشهد مزدوج: تفوق يستحق التهنئة، ومدرسة تستدعي المساءلة. فقد إجتهد التلاميذ ونالوا ثمرة تعبهم، لكن التعليم يبدو، في جانب منه، كأنه أتقن صناعة الإمتحان أكثر مما أتقن صناعة العقل. وبين الفرح والقلق توجد المهمة الحقيقية: أن نحرر المدرسة من عبادة النقطة، وأن نعيد للتعلم روحه، وللمعلم مكانته، وللتلميذ حقه في أن يكون عقلا حيا لا ذاكرة مدربة. فالأمم لا تنهض بكثرة المعدلات المرتفعة وحدها، بل بنوعية العقول التي تقف خلف تلك المعدلات.




