احتضنت قاعة “سالّا بيريث غاخلوس” في مركز “أتينيو دي مدريد”، بقلب العاصمة الإسبانية، ندوة ثقافية متميزة خصصت لقراءة ومناقشة أحدث الإصدارات الفكرية للكاتبة والشاعرة والأكاديمية الإسبانية كلارا خانيس، الموسوم بعنوان: “Leonardo da Vinci: El hombre, la naturaleza, la mirada”، والصادر عن دار نشر “Ediciones del Oriente y del Mediterráneo”.

الندوة، التي شهدت حضورا نوعيًا من مثقفين وأكاديميين ومهتمين بالفكر الإنساني والفلسفي، أدارها الكاتب والشاعر والناقد السينمائي الإسباني ميغيل لوسادا، الذي أضفى على اللقاء طابعا حواريا ديناميكيا، ساهم في تعميق النقاش حول العمل ومضامينه الفكرية والجمالية.
في مستهل الجلسة، قدم الشاعر والناقد الإسباني جينارو تالينس قراءة نقدية معمقة للكتاب، توقف فيها عند طبيعته المركبة التي تمزج بين د التاريخي والتحليل الفلسفي.
واعتبر تالينس أن العمل لا يقتصر على كونه مجرد تجميع نصي، بل يمثل جهدًا تأويليًا يسعى إلى إعادة استنطاق نصوص ليوناردو دا فينشي وإعادة تقديمها في سياق معاصر يبرز راهنيتها.
وأشار المتدخل إلى أن كلارا خانيس نجحت في بناء جسر معرفي بين الماضي والحاضر، من خلال إعادة قراءة نصوص دافنشي ليس فقط كوثائق تاريخية، بل كنصوص حية تحمل رؤية شاملة للعالم، تتجاوز حدود التخصصات الضيقة.
وأضاف أن الكتاب يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة الفكر النهضوي، الذي كان قائمًا على التكامل بين الفن والعلم والفلسفة.

ويتخذ الكتاب شكل أنطولوجيا مختارة بعناية، تضم نصوصًا متنوعة من فكر دافنشي، تشمل الفابولات (الحكايات الرمزية)، والبيستياريات (النصوص التي تتناول الحيوانات بوصفها رموزًا)، إضافة إلى تأملات فلسفية تعكس نظرته إلى الإنسان والطبيعة والمعرفة.
وقد حرصت المؤلفة على تقديم هذه النصوص في إطار يبرز وحدة المشروع الفكري لدافنشي، باعتباره نموذجًا للإنسان الذي يجمع بين الإبداع الفني والدقة العلمية.
ويتمحور الكتاب حول ثلاثة محاور رئيسية، تشكل في مجموعها البنية الفكرية للعمل. المحور الأول، “الإنسان”، يتناول رؤية دافنشي للوجود الإنساني، من خلال اهتمامه العميق بالتشريح ودراسة الجسد، وما يرتبط بذلك من أسئلة حول معنى الحياة والإبداع والتوازن الكوني، بما في ذلك مفهوم النسبة الذهبية كرمز للانسجام.
أما المحور الثاني، “الطبيعة”، فيبرز تصور دافنشي للعالم الطبيعي باعتباره منظومة مترابطة، حيث لا يمكن فهم أي عنصر بمعزل عن الآخر.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في نصوصه التي يستخدم فيها الحيوانات والنباتات كرموز لتفسير السلوك الإنساني، وكذلك لفهم القوانين التي تحكم الكون، في دعوة ضمنية إلى احترام البيئة والانسجام معها.

في حين يركز المحور الثالث، “النظرة”، على مركزية البصر في فكر دافنشي، حيث يعتبر العين الوسيلة الأساسية لاكتشاف الحقيقة. وتبرز هنا أهمية الملاحظة الدقيقة والتجربة الحسية كأدوات للمعرفة، وهو ما يعكس منهجًا علميًا مبكرًا قائمًا على الربط بين الرؤية الجمالية والفهم العلمي للعالم.
وخلال مداخلتها، استعرضت الكاتبة كلارا خانيس أبرز المرتكزات التي انطلقت منها في إعداد هذا العمل، مشيرة إلى أن هدفها لم يكن مجرد نقل نصوص دافنشي، بل إعادة إحيائها ضمن سياق فكري معاصر يتيح للقارئ التفاعل معها بوصفها نصوصًا حية.
وأوضحت أن عملية الاختيار والترجمة كانت قائمة على إبراز البعد الإنساني العميق في كتابات دافنشي، بما يعكس رؤيته الشمولية للعالم.
وأكدت خانيس أن دافنشي لا يمكن اختزاله في كونه فنانًا أو عالمًا فقط، بل هو نموذج للإنسان المتكامل الذي يسعى إلى فهم العالم عبر مختلف تجلياته.
وأضافت أن كتابها يحاول إبراز هذه الرؤية، من خلال تقديم نصوص تكشف عن حساسيته تجاه الطبيعة، واهتمامه بالتفاصيل، وقدرته على الربط بين الظواهر المختلفة.

وشهدت الندوة تفاعلًا ملحوظًا من الحضور، حيث طرحت عدة أسئلة حول راهنية فكر دافنشي، ومدى إمكانية استلهام منهجه في زمن يتسم بالتخصص المفرط.
كما تم التطرق إلى أهمية إعادة قراءة التراث الإنساني من منظور معاصر، بما يسهم في إثراء النقاش الفكري وتوسيع آفاق المعرفة.
وفي ختام اللقاء، أجمع المشاركون على أن كتاب كلارا خانيس يشكل إضافة نوعية إلى الدراسات التي تعنى بفكر عصر النهضة، ليس فقط من حيث مضمونه، بل أيضًا من حيث منهجيته التي تقوم على الربط بين الأدب والفلسفة والعلم.
كما اعتُبر العمل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وفي دور المعرفة في بناء عالم أكثر توازنًا وانسجامًا.
بهذا، تؤكد الندوة مرة أخرى أن الفضاءات الثقافية في مدريد لا تزال تلعب دورًا حيويًا في احتضان النقاشات الفكرية العميقة، وفي إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان في مختلف الأزمنة.





