منذ الصباح، وأنا أبحث عن فكرة أكتب عنها. الأخبار تتدفق بلا انقطاع، والأحداث تتلاحق حتى تكاد تبتلع كل ما عداها. وبينما كنت أتنقل بين المقاطع والمنشورات، مرّ أمامي فيديو للإعلامية لوركا سبيتي تتحدث فيه عن الرحلات إلى نهر الليطاني.
وما هي إلا لحظات، حتى وجدت نفسي أعود عشرات السنين إلى الوراء، إلى زمن الطفولة البعيد، حين كان الليطاني جزءاً من حياتنا اليومية، بل جزءاً من تكويننا نحن أبناء الجنوب.
لأهل الجنوب علاقة خاصة بهذا النهر. ليس مجرد مجرى مائي يعبر الأرض، بل رفيق طفولة وذاكرة جماعية ومسرح لآلاف الحكايات الصغيرة التي لا تزال تعيش في وجداننا. وما إن يرد اسمه حتى تتدفق الصور من أعماق الذاكرة كأنها حدثت بالأمس.
كنا مجموعة من الصبيان لا تتجاوز أعمارنا الثالثة عشرة. نجتمع مع ساعات الصباح الأولى في قريتنا الجنوبية، وننطلق سيراً على الأقدام نحو مصب نهر الليطاني، أو كما كنا نسميه “العيتنية”.
كانت المسافة تقارب العشرين كيلومتراً، لكننا لم نكن نشعر بثقل الطريق. كانت المغامرة أكبر من التعب، وكانت الحماسة تدفعنا إلى قطع المسافات الطويلة وكأنها مجرد نزهة قصيرة.
وحين نصل إلى المصب، حيث يلتقي الليطاني بالبحر الأبيض المتوسط، كنا نشعر أننا بلغنا عالماً مختلفاً. المكان يعج بالعائلات القادمة من القرى المحيطة. الناس يفترشون الأرض على الضفاف، والأطفال يركضون بين الأشجار والمياه، فيما كانت أصوات الضحكات تختلط بصوت النهر وهدير البحر.
أما نحن، فكان النهر ملعبنا الحقيقي. نصعد أشجار الحور الممتدة على ضفتيه، ونقفز منها إلى المياه الباردة. كنا نترك التيار يحملنا حتى نخرج إلى البحر. بالنسبة لأطفال في ذلك العمر، كانت تلك معجزة حقيقية؛ كيف يمكن للمرء أن ينتقل في لحظات من المياه الحلوة إلى المياه المالحة؟ كنا نكرر التجربة مرة بعد أخرى، عشرات المرات، حتى تستنزف قوانا بالكامل.
لكن مع انتهاء النهار كانت تبدأ المشكلة الكبرى. كيف سنعود إلى القرية سيراً على الأقدام بعد كل هذا الإرهاق؟ كنا منهكين، بالكاد نقوى على الوقوف، فضلاً عن قطع عشرين كيلومتراً إضافية. إلا أن الطفولة كانت دائماً تجد حلولها الخاصة.
على الشاطئ، غير بعيد عن المصب، كانت تقف مجموعة من الجرارات الزراعية القادمة من القرى المجاورة لتحميل الرمال التي كانت تستخدم في البناء. في ذلك الزمن لم تكن الآليات تقوم بكل شيء كما اليوم، بل كان ملء المقطورات يتم يدوياً عن طريق المجارف والجهد البشري.
وهنا كنا نعقد صفقاتنا الصغيرة مع أصحاب الجرارات. العرض بسيط: نساعد على تعبئة المقطورة بالرمل مقابل أن ينقلنا صاحب الجرار إلى قريتنا. كان العمل شاقاً بكل معنى الكلمة. فالرمل المشبع بالماء ثقيل، واستخراجه يحتاج إلى قوة وصبر. وكنا نمضي ساعات طويلة نرفع الرمل، ونسكبه في المقطورة تحت شمس الجنوب الحارقة.
اليوم، حين أتذكر تلك المشاهد، أتساءل من أين كنا نأتي بكل تلك الطاقة؟ كيف كانت أجسادنا الصغيرة تحتمل المشي الطويل والسباحة والعمل الشاق في يوم واحد؟ ربما لأن الطفولة لا تعرف المستحيل، وربما لأن الفرح كان يمنحنا قوة إضافية لا ندركها.
وعندما ننتهي من تعبئة الرمل، نصعد جميعاً فوق الحمولة ونجلس متلاصقين. ينطلق الجرار ببطء على الطرقات الترابية، وتستغرق الرحلة نحو ساعة ونصف الساعة. كنا نعود متعبين، مغطين بغبار الرمل ورائحة النهر والبحر، لكننا نحمل في داخلنا شعوراً لا يوصف بالسعادة.
اليوم تغيّرت أمور كثيرة. تغيّرت القرى والطرقات، وتبدلت حياة الناس، وحتى الليطاني نفسه لم يعد كما كان في ذاكرتنا. لكن بعض الأماكن تظل أكبر من الجغرافيا، لأنها تتحول إلى جزء من الإنسان. ونهر الليطاني بالنسبة إلى جيل كامل من أبناء الجنوب ليس مجرد نهر، بل دفتر طفولة مفتوح على الضحكات والمغامرات والأيام التي مضت ولن تعود.
يكفي أحياناً مقطع فيديو عابر، حتى يوقظ كل ذلك العالم النائم في الذاكرة، فنكتشف أن أجمل ما بقي لنا من الماضي ليس الأماكن نفسها، بل الأطفال الذين كناهم ذات يوم على ضفاف الليطاني.
