ثقافةدولي
أخر الأخبار

“الغريب”.. رواية البيركامو الشهيرة بمنظورً حديثً عن الإمبريالية والعنصرية

يفي الفيلم الرواية حقها وإن كان بلمسة مختلفة. اذ يقتل الشخصية الرئيسية، وهو فرنسي مولود في الجزائر في فترة الاستعمار شابا جزائريا يعرف في الرواية على انه "العربي"

يعرض في قاعات السينما في لندن حاليا فيلم “الغريب” عن رواية الكاتب الفرنسي – الجزائري البير كامو الشهيرة L’étranger. التي نُشرت في عام 1942 وبِيعَت منها ملايين النسخ, كما ترجمت الى عديد اللغات.

تنتمي الرواية إلى المدرسة العبثية في الأدب، وكانت أولى روايات ألبير كامو اذ كتبها في سن التاسعة والعشرين، وحصل فيما بعد على جائزة نوبل للأدب عام 1957 عن مجموع أعماله. وقد نُشرت النسخة العربية لأول مرة في عام 1997 من قبل دار النشر المصرية اللبنانية.

يفي الفيلم الرواية حقها وإن كان بلمسة مختلفة. اذ يقتل الشخصية الرئيسية، وهو فرنسي مولود في الجزائر في فترة الاستعمار شابا جزائريا يعرف في الرواية على انه “العربي”.

وعندما يمثل ميرسو اما المحكمة, لا يدان ميرسو بسبب ارتكابه جريمة قتل بل بسبب لا مبالاته وانفصاله العاطفي عن اي حدث او شخص او مكان, وهو ما اعتبر تغييبا للهوية الجزائرية في سرد كامو وتحول الى نقطة مركزية في النقد الادبي لفترة طويلة.

واليوم، من الصعب جدا التفكير في كتاب كامو دون الإشارة إلى رواية حديثة كُتبت كرد على رواية كامو، الا وهي ‘تحقيق ميرسو’ التي صدرت عام 2013 للروائي الجزائري كمال داوود. اذ يعيد داوود التاريخ الشخصي والاسم للشاب الذي أطلق عليه بطل كامو النار وارداه قتيلا، مَعِيدًا بذلك البعد المفقود للهوية الجزائرية في الرواية. لذا يبدو فيلم أوزون إلى حد كبير كما لو أنه صُنع في أعقاب رواية داوود.

يتضح من الإطار الأولي للقصة من خلال شريط أخبار بالأبيض والأسود يعرض الجزائر على أنها ‘مدينة حديثة ورائعة’ يغلب عليها الطابع الفرنسي – إلى أن نلمح كتابات جرافيتي لجبهة التحرير الجزائرية على احد الجدران.

كما ان المناخ الجزائري واضح منذ البداية، وميرسو، الرجل الأوروبي الأبيض، المولود في الجزائر, يسخر منه اولاد جزائريرون وهو يسيرفي الريف إلى دار رعاية المسنين حيث توفيت والدته, فهو بالنسبة لهم شخصية مضحكة بملابسه الرسمية.

يسرد فيلم فرانسوا أوزون قصة البطل الوجودي لألبير كامو في الجزائر الخاضعة للاستعمار والمقسمة طبقياً في عام 1938، حين يجد ميرسو، الموظف المجرد من اي عاطفةً، أن لامبالاته تصبح علامته المميزة وسبب سقوطه في النهاية.

فالعالم بالنسبة اليه، فهو سلسلة متواصلة من اللحظات التي تبدو أحيانًا فارغة من اي معنى وفي أحيان أخرى ممتلئة بأمور لا تعنيه. وداخل تلك اللحظات، قد تتجمد كلمة، أو حركة، أو زاوية شارع، أو صورة للشمس، ومع ذلك فإن الخلاص المؤقت هنا يعود إلى أنه لا يسعى أبدًا لتثبيت نظره على أي شيء لفترة طويلة، فهو عابر دائم ومسافر أبدي، يمر بنظره على كل شيء في الخارج.

ومن هنا, لا يشعر بالارتباط بأي شيء، ولا يشعر بأي مبرر لوجود الأشياء أو لوجوده هو نفسه، ولا يشعر بحاجة لمثل هذا المبرر، ببساطة لأنه لا يحمل اي مشاعر تجاه أي شيء.

يعلم ميرسو بوفاة والدته، لكنه لا يظهر أيا من المشاعر المتوقعة من الحزن أو الأسى، وعندما يسُال إذا كان يريد رؤية جثتها، يرفض, ويكتفي بالحديث عن الحاضرين في الجنازة.

لميرسو جار عجوز عصبي، كثيرا ما يضرب كلبه رغم انه متعلق به ولا يسطيع العيش بدونه, غير ان كل هذه القسوة لا تؤثر في ميرسو باي شكل من الاشكال.

بعد جنازة والدته, يلتقي ميرسو بفتاة تُدعى ماري، كانت قد عملت معه سابقًا، فيذهبان للسباحة معًا، ويشاهدان فيلمًا كوميديًا بعد ليلة واحدة فقط من وفاة والدته.

عقب الجنازة, يذهب ميرسو لمساعدة جاره، ريمون، في الانتقام من خليلته الجزائرية بعد الشكوك في خيانتها. يوافق ميرسو على مساعدة صديقه بكتابة رسالة إلى خليلته، يدعوها للحضور، مما سيمنح ريمون فرصة للانتقام منها. لا يجد مورسو أي سبب لعدم مساعدة صديقه ولا يظهر أي اهتمام بالألم والأذى الذي قد يسببه لخليلة ريمون.

تنجح خطة الرسالة، وتعود العشيقة، لكن الوضع يتصاعد وتسوء الامور عندما يقرر ريمون ضربها. يتم اعتقاله من قبل الشرطة ويطلق سراحه لاحقا بعد تقديم تعهد أمام المحكمة، لكن الأمور لا تتوقف عند هذا الحد، حيث يبدأ شقيق العشيقة وأصدقاوءه  في مطاردة ريمون.

عندما يدعو ريمون ميرسو وماريا لعطلة نهاية أسبوع في منزل صديق على الشاطئ، يجد شقيقها وأصدقاءه في انتظاره، مما يؤدى إلى اشتباك يطُعن خلاله ريمون بسكين طائش.

بعد ذلك يصر ميرسو على العودة إلي الشاطئ ومعه مسدس ريمون ليجد الشقيق الغاضب وحده ويتمعن ملامحه بدقة قبل ان يطلق رصاصة قاتلة على الشاب الذي يشار اليه على انه ‘العربي’ بعد أن أخرج الأخير سكينًا، ثم يطلق ميرسو أربع رصاصات أخرى على جسد الضحية.

تلعب الطبيعة في الجزائر وخاصة الشمس دورًا أساسيًا في الرواية. فبالنسبة لمورسو، تمثل الشمس قوة قمعية وخانقة وعدائية. فتحت وهج الشمس الحارقة، يشعر ميرسو بالضغط الجسدي والنفسي. هذا الوهج الساطع هو ما يدفعه لإطلاق النار.

فعندما يسال في المحكمة عن سبب ارتكابه الجريمة, يجيب ‘C’etait a cause du soleil’ ‘لقد كان بسبب الشمس’. مما يسبب دهشة كبرى للقاضي والحضور.

تم تصوير الفيلم بالأبيض والأسود، ويفضل الثبات، الصمت والإحساس الجسدي – الحرارة، الضوء، العرق – على الشرح النفسي. كما يشدد أوزون على السياق الاستعماري.

وكون أن الجزائريين لم يتم الاعتراف بهم كان خيارًا متعمدًا من قبل كامو لإظهارلامبالاة فرنسا تجاه وجودها في الجزائر, فهذا جزء من الفكرة، لإظهار العبثية المتأصلة في الوضع الاستعماري.

 في الرواية، الضحية يعرف ببساطة باسم “العربي” أي الآخر، الغريب, الذي لا يحمل اسما او هوية.

شقيقته أيضًا بلا اسم. لكن الفيلم يعرف بهما: موسى وجميلة، كما يبتكر حوارا بين جميلة وماري عن الظلم العرقي الذي تتسم به المحاكمة. فعندما تقول جميلة لماري “حان وقت عودته (اي ميرسو)  إلى الوطن” تجيب ماري “لكنه لم يزر باريس من قبل.” وتضحك جميلة حتى البكاء.

 لكن، مثلما في الكتاب، لم يُذكر اسم الضحية في المحكمة، ولم تستدع جميله ولا الرجل الجزائري الثاني كشهود، رغم صلتهما الواضحة بالقضية. ومع معرفتها بأن ميرسو ارتكب جريمة قتل، إلا أن ماري تصر على الزواج منه، لأنها تعتبر الضحية بلا هوية.

في الرواية, تظهر لامبالاة ميرسو تجاه الشعب الجزائري، لانه اي ميرسو, امتداد للطبقة الفرنسية المتعلمة والنهاية العنيفة للإمبريالية، التي لا يحمل اصحابها اي مشاعر. 

غير ان الفيلم يعترف بأن شقيق جميلة كان يدافع عنها, مما يظهر مبادئ الشرف والحرص على صلة الرحم, كل الأشياء التي تعتبر اساسية في الحياة. في الوقت نفسه، لا يبالي ميرسو بوفاة والدته، وبخطيبها المسن الذي تعثر وهما يسيران نحو قبرها ولم يحاول مساعدته.

بعد اعتقاله، ينظر ميرسو من نافذة سيارة الشرطة ويشاهد، كما لو كانت المرة الأولى، العالم العربي الذي كان يحيط به دائمًا. لذلك، يُعيد أوزون في فيلمه تقديم الجزائريين وبلدهم بشكل واضح.

وتفسيره لرواية ‘الغريب’ يوضح أن غياب الجزائر في الرواية يمثل العقلية الاستعمارية المهيمنة الا وهي ان “الجزائر فرنسية’.

ينتهي الفيلم بمشهد لجميلة وهي تزور قبر شقيقها – الذي كان يحمل اسمه – وتبكي.

إذا امكن القول أن رواية ‘الغريب’ لكامو كرست العنصرية وتغييب الهوية الجزائرية من خلال وصف الضحية  بـ ‘العربي’، والجزائريين بـ ‘Les Indigenes’

أي ‘السكان الأصليين’، فإن السلطات الفرنسية بعد أكثر من ستين عامًا على استقلال الجزائر كان عليها أن تكون واعية بتلك السردية المسيئة للجزائر وشعبها.

ويبقى السؤال هو: إلى أي مدى ستذهب فرنسا لتصحيح ماضيها القبيح في مستعمراتها السابقة؟

https://anbaaexpress.ma/6dtvm

منيرة الشايب

منيرة الشايب : صحفية تونسية مقيمة في لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى