لم يعد الخلاف بين إيران والولايات المتحدة محصوراً في البرنامج النووي أو الترتيبات الأمنية الإقليمية، إذ برز ملف الأصول المالية الإيرانية المجمدة كأحد أكثر القضايا تعقيداً في مسار المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب التي اندلعت مطلع عام 2026.
ومع دخول الاتصالات غير المباشرة مرحلة دقيقة، باتت طهران تعتبر استرجاع أموالها المحتجزة في الخارج اختباراً فعلياً لجدية أي اتفاق مرتقب، في حين تواصل واشنطن التعامل مع هذه الأصول كورقة ضغط أساسية لضمان التزام إيران ببنود التسوية.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن الخلاف حول هذه الأموال أدى إلى توسيع فجوة التباعد بين الطرفين، بعدما شددت إيران على ضرورة الإفراج المبكر عن جزء مهم من أرصدتها ضمن المراحل الأولى لأي اتفاق، معتبرة ذلك شرطاً أساسياً لإطلاق مرحلة التعافي الاقتصادي بعد الحرب.
وتواجه طهران ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة تداعيات الصراع والعقوبات، ما يجعلها في حاجة ملحة إلى سيولة مالية لتمويل إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية المتضررة، وهو ما يفسر رفضها ربط الإفراج عن الأموال بسلسلة طويلة من الالتزامات أو المراحل التدريجية.
في المقابل، تتحفظ الإدارة الأمريكية على منح إيران مكاسب مالية سريعة، خشية أن يؤدي ذلك إلى تعزيز قدراتها العسكرية أو توسيع نفوذها الإقليمي في مرحلة ما بعد النزاع، ما يدفعها إلى الإصرار على آلية تدريجية للإفراج عن الأصول، مرتبطة بخطوات قابلة للتحقق في ملفات حساسة.
وتشمل هذه الشروط قضايا مرتبطة بمستقبل البرنامج النووي، ومستويات تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى ترتيبات أمنية تتعلق بالممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
وفي محاولة لتقريب وجهات النظر، طرح وسطاء إقليميون مقترحات بديلة، من بينها إنشاء آلية مالية موجهة للاستخدامات الإنسانية، تسمح بتوظيف جزء من الأموال في استيراد المواد الأساسية، غير أن هذه الطروحات لم تحظ بقبول كامل من الجانب الإيراني، الذي يطالب بالوصول المباشر إلى موارده المالية.
كما برزت خلافات إضافية بشأن الأصول الإيرانية الموجودة في دول أخرى، حيث أظهرت بعض الدول تفضيلاً لاعتماد صيغ مقيدة للإفراج عن الأموال، ما يعكس تعقيداً إضافياً في إدارة هذا الملف متعدد الأطراف.
ويرى مراقبون أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بحجم الأموال أو مواقعها، بل يرتبط أساساً بتوقيت الإفراج عنها وآليات استخدامها. فبينما تسعى إيران إلى تحقيق مكاسب اقتصادية فورية تعزز جدوى الاتفاق داخلياً، تعتبر الولايات المتحدة أن الحفاظ على هذه الورقة ضروري لضمان تنفيذ الالتزامات على المدى الطويل.
وتستحضر طهران تجارب سابقة شهدت تعثراً في تنفيذ الجوانب الاقتصادية للاتفاقات، ما يدفعها للمطالبة بضمانات ملموسة، في حين تتخوف واشنطن من تكرار سيناريوهات ترى أنها منحت فيها تنازلات دون مقابل كافٍ.
ورغم استمرار أهمية الملف النووي في رسم ملامح التسوية، يبدو أن قضية الأصول المجمدة باتت تمثل العقدة الأكثر حسماً في المفاوضات، إذ قد يحدد التوافق أو الفشل في هذا الملف مصير العملية السياسية برمتها.
وفي ظل هذا التعقيد، تشير التقديرات إلى أن أي اتفاق نهائي لن يقتصر على الترتيبات الأمنية، بل سيتطلب إطاراً مالياً دقيقاً يحدد كيفية الإفراج عن الأصول وجدولها الزمني وآليات الإشراف عليها، ما يجعل هذا الملف أحد أبرز مفاتيح المرحلة المقبلة في العلاقات بين البلدين.




