آراء
أخر الأخبار

احك يا شكيب.. أنا مجنون نفسي

كان بطلنا يرى في نفسه أنه فريد زمانه، وأن القول والفعل الصواب هو ما يقوله ويفعله، حتى وقعت له أحداث غيرت نظرته لنفسه، فهذا ما جاء على لسانه: “كلما رأيت موقفًا في قضية ما، أحدث نفسي وأقول: ما كان له أن يفعل ذلك أو أن يقول ما قال، بل الفعل والقول هو ما كنت سأفعله وأقوله أنا، وفي كل حوار كنت أشاهده عبر الشاشة أو أسمعه عبر الأثير، أتقدم لنفسي بهذه الملاحظات: يا ليته لم يرتبك، لو كنت مكانه لكنت ثابتًا غير مضطرب، دائمًا كنت أراني بطلًا لا ترهبه ولا تزعجه الأحداث..

ذات مرة استُدعيت لإلقاء كلمة في جمع كبير، فبمجرد إمساكي الميكروفون اختلطت علي الكلمات، وتعثر لساني، وبدأ العرق يتصبب على جبيني في يوم ماطر بارد، فأصابني دوار، وتدارك المنظم ما كنت فيه من موقف حرج، فأجلسني على أريكة لعلي أستعيد عافيتي، فاعتذرت لهم وغادرت المكان وأنا جد محبط.

ذات يوم تزامن حضوري للشارع مع عيد العمال فاتح ماي، بادرني صحفي بسؤال: لماذا أنت موجود هنا؟ هل لك من مطالب تريد إيصالها لمن يهمهم الأمر؟ هل العمال في بلدنا نالوا حقوقهم كاملة؟ هل حصلوا على تغطية صحية وتأمين مريح وراتب معقول؟ هل المرأة بدورها تحظى بامتيازات مثلها مثل الرجل؟ أم وضعها مختلف وتعامل معاملة من درجة ثانية؟

أمام هذا الكم من الأسئلة، أمسكت الميكروفون، وأردت ترتيب أفكاري لأجيب، فإذا بي أرى أمامي مخبرًا كنت أعرفه من ملامحه، حدثني عنه جاري المناضل، هو من كان سببًا في استدعائه لمخفر الشرطة، وبعدها لقاعة المحكمة حيث قضى عقوبة سجنية لمدة ستة أشهر، فارتبكت، وتظاهرت بنوبة سعال جعلتني أعتذر عن الإدلاء بأي تصريح، فانصرفت لحال سبيلي.

ومنذ ذلك اليوم عرفت حقيقة نفسي وحقيقة ما كان يقع مع من كنت أحتقر أقوالهم ومواقفهم، فلم أعد مجنون نفسي، بل أصبحت أردد قولة: “عليك نفسك، فأنت لا تساوي جناح بعوضة في هذا الكون، وإنما أنت رقم لا يرقى للصفر، بل أنت نكرة، وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”.

https://anbaaexpress.ma/ibdbu

شكيب مصبير

كاتب وفنان تشكيلي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى