في مشهد يعكس فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع الاستراتيجي، تم تجديد اتفاقية التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وإسبانيا بشكل تلقائي، بما يضمن استمرار استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في جنوب البلاد، رغم التوتر القائم بين حكومة بيدرو سانشيز والإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب.
ويشمل هذا التمديد قاعدتي “روتا” البحرية و”مورون” الجوية، اللتين تعدان من أهم النقاط الاستراتيجية للجيش الأمريكي في غرب البحر الأبيض المتوسط، نظراً لقربهما من مضيق جبل طارق وشمال إفريقيا، ما يمنحهما دوراً محورياً في العمليات العسكرية واللوجستية نحو أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.
ويستند التجديد إلى بند قانوني أُدرج في تعديل اتفاقية سنة 2013، ينص على التمديد السنوي التلقائي ما لم يُخطر أحد الطرفين الآخر برغبته في إنهائها قبل ستة أشهر، وهو ما لم يحدث، ما جعل الاتفاق يستمر عملياً رغم التصعيد السياسي والإعلامي.
حدود الخطاب السياسي أمام ثقل المصالح الاستراتيجية
يكشف هذا التطور عن حقيقة أساسية في العلاقات الدولية، مفادها أن المصالح الأمنية الكبرى تتجاوز الحسابات الحزبية والخطابات الظرفية. فرغم الانتقادات التي وجهتها مدريد لواشنطن في ملفات حساسة، مثل التوترات في الشرق الأوسط والإنفاق الدفاعي، فإن البنية القانونية والعسكرية للعلاقة الثنائية ظلت أقوى من أي توتر سياسي عابر.
من جهة أخرى، يبرز هذا التمديد استمرار اعتماد البنتاغون على موقع إسبانيا كقاعدة متقدمة لضمان التوازن العسكري في منطقة المتوسط، وهو ما يصعب تعويضه في المدى القريب.
انعكاسات إقليمية… والمغرب في قلب المعادلة
تكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لـالمغرب، الذي يراقب عن كثب توازنات الأمن الإقليمي في محيطه المباشر. فاستمرار الوجود العسكري الأمريكي في جنوب إسبانيا يعزز الاستقرار النسبي في غرب المتوسط، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على أهمية الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الرباط بواشنطن، خاصة في مجالات التعاون العسكري والمناورات المشتركة.
كما يعكس الوضع تمايزاً في أنماط العلاقات، حيث تعتمد الولايات المتحدة في المنطقة على مزيج من القواعد الثابتة داخل أوروبا، وشراكات مرنة وموثوقة مع حلفاء إقليميين مثل المغرب، ما يمنحها هامش تحرك أوسع في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
يؤكد هذا التمديد أن القرارات الكبرى في السياسة الدولية لا تُحسم بالشعارات، بل بمنطق المصالح العميقة، حيث يبقى أمن المضائق البحرية والمجالات الحيوية رهيناً بحسابات استراتيجية تتجاوز حدود الجدل السياسي الداخلي.




