في ظل الضغوط الاقتصادية المتفاقمة التي تعيشها إيران، بدأ يتشكل مسار جديد في بنية تمويل حلفائها الإقليميين، حيث حذّر تقرير لمجلة “ناشيونال إنترست” من تحول لافت نحو غرب أفريقيا كمصدر بديل لتعويض تراجع الدعم المالي الإيراني، خاصة بالنسبة لتنظيم حزب الله اللبناني.
ويأتي هذا التحول في سياق أزمة اقتصادية خانقة تضرب طهران نتيجة العقوبات الأمريكية المتصاعدة، ما انعكس بشكل مباشر على قدرتها في تمويل شبكاتها الخارجية، وفرض على هذه التنظيمات البحث عن مصادر تمويل موازية وأكثر استقلالية.
شبكات مالية عابرة للحدود
وبحسب التقرير، فإن حزب الله راكم على مدى عقود بنية مالية معقدة داخل الجاليات اللبنانية في عدد من دول غرب أفريقيا، من بينها ساحل العاج، السنغال، سيراليون وغينيا، حيث تحولت هذه الشبكات إلى رافد أساسي لتدفق الأموال نحو لبنان.
وتعتمد هذه المنظومة على مزيج من الأنشطة الاقتصادية المشروعة وغير المشروعة، من بينها تجارة السيارات المستعملة، والاستثمار العقاري، وتهريب الألماس، فضلاً عن عمليات غسل الأموال المرتبطة بشبكات الجريمة المنظمة، بما في ذلك الاتجار بالمخدرات. ويؤكد التقرير أن هذه القنوات لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءاً مركزياً في تمويل الحزب.
ثغرات في الاستراتيجية الأمريكية
في المقابل، يرى التقرير أن الاستراتيجية الأمريكية القائمة على “الضغط الأقصى” تعاني من ثغرات واضحة، أبرزها ضعف التركيز على منطقة غرب أفريقيا، رغم تنامي دورها كممر مالي بديل لإيران ووكلائها.
غير أن هذا الواقع، بحسب التحليل، يفتح في الوقت نفسه نافذة لواشنطن لتعزيز نفوذها في المنطقة، خاصة في ظل رغبة عدد من الدول الأفريقية في تطوير شراكاتها مع الولايات المتحدة في مجالات الأمن والتجارة والحوكمة، وهو ما يمكن استثماره للحد من هذه الشبكات.
تحركات مقترحة وقلق متزايد
ويدعو التقرير إلى تكثيف الضغط الدبلوماسي والمالي، خصوصاً في الدول التي تعاني من ضعف في أنظمة الرقابة المالية، مثل ساحل العاج، التي تخضع لمتابعة دولية بسبب ثغرات في مكافحة غسل الأموال.
كما يشير إلى حالات موثقة في غينيا تتعلق بعمليات رشوة ونقل أموال غير قانونية عبر المطارات.
ويقترح تعزيز الحضور الأمريكي عبر أدوات متعددة، تشمل برامج “مكافآت من أجل العدالة”، وتوسيع مهام فرق وزارة الخزانة في مجالات الاستخبارات المالية، إلى جانب تفعيل آليات رقابية صارمة مثل تصنيفات “المادة 311” لعزل المؤسسات المالية المتورطة.
امتدادات جيوسياسية مثيرة للجدل
وفي سياق متصل، تثار تقارير أمنية وإعلامية تتحدث عن تورط حزب الله في دعم جماعات مسلحة خارج نطاقه التقليدي، من بينها اتهامات بتقديم التدريب والخبرة العسكرية لعناصر من جبهة البوليساريو، المدعومة من النظام العسكري الجزائري، وهو ما يضيف بعداً جيوسياسياً جديداً لتحركات الحزب خارج الشرق الأوسط.
اقتصاد الظل يعيد رسم النفوذ
يكشف هذا التحول عن حقيقة أعمق تتجاوز مجرد أزمة تمويل، إذ يعكس انتقالاً تدريجياً من نموذج الاعتماد المركزي على إيران إلى نموذج شبكي مرن قائم على اقتصاد الظل والعلاقات العابرة للقارات.
فحزب الله، مثل غيره من الفاعلين غير الدولتيين، يكيّف أدواته وفق الضغوط، ما يجعله أقل عرضة للانهيار رغم القيود المفروضة.
في المقابل، يضع هذا الواقع الولايات المتحدة أمام تحدٍ مركّب: فنجاح العقوبات في إضعاف إيران لا يعني بالضرورة تفكيك شبكات نفوذها، بل قد يدفعها إلى التحول نحو مسارات أكثر تعقيداً وأقل قابلية للرصد.
وفي عالم تتداخل فيه الجريمة المنظمة بالسياسة، والتجارة بالتمويل غير المشروع، يبدو أن معركة النفوذ لم تعد تُحسم فقط في ميادين الحرب، بل في الموانئ والأسواق وشبكات المال الخفية، حيث يُعاد رسم موازين القوة بهدوء، ولكن بعمق بالغ التأثير.




