أشد ما يتطلب المراجعة وإعادة النظر في المصطلحات والمفاهيم الإسلامية – وهي باب واسع آخذ منه بطرف لا تفصيلاً – بُغية التوسع والوصول للموافقة بين الحداثة المعاصرة والاصالة الموروثة لها، اعادة تفكيك وتحديث البنية الفكرية النظرية والعملية والمهنية لعلم الفقه الإسلامي الموروث والفكر الإنساني المستمد منه وكذلك المصطلحات الإسلامية التي تتأرجح بين الواقعية والنقلية أن يُعاد فيها النظر مع الاحتفاظ بسلامة المنهج إن وجد له حيز في باب الحداثة المعاصرة على النحو التالي:
التكفير والزندقة: أصلها التغطية والستر والحجب ولا علاقة لها بالمعتقد أيَّاً كان ، فهذه موازنة للعقل الجمعي البشري فمن اتفق معك في مسألة اختلف معك في أخرى فهذه من طبيعة الأشياء والأحياء، ولا يحق لأيٍ من كان فرداً أو جماعة أو جهة اعتبارية تفعيل مصطلح التكفير والكفر للقضاء على الخصومة الفكرية باسم المعتقد أو الدين أو التدين.
أمَّا الزندقة فهي مصطلح نشأ في القرن الثاني الاخراجي النبوي الشريف وريم به قهر الشعب أداة سياسية قمعية لمن خالف فورمان الأمير وشيع استعمالها حتى الآن ولذات الغرض التخويفي لإضعاف شوكة الخصوم السياسيين عبر آلية تنفيذه على المغلوبين الضعفاء وأهل العلم والفكر بالتحديد لضمان الاستمرار في كرسي الحكم ثم صير من بعد قانوناً معمولاً به في بعض الدول ولا سيما الدول العربية الإسلامية دون تحديد أو ذكر واحدة بعينها.
عليه ! يجب ايقاف هذه الفوضى المتذرع بها لكسر شوكة الخصوم وتجميد الفكر وتعطيل الاجتهاد ومنع استعمالها في كل الميادين الدعوية الفكرية أو القانونية التشريعية بلا تأني منذ اللحظة.
الدين: وردت لفظة الدين في القرآن اثنين وتسعين مرة (92 مرة) يختلف معناها من موضع لآخر ما لم يكن السياق والصياغ العامَّين للكلمة يتجهان لموضوع واحد، وعليه فإنَّ “الدين” يعني الاذعان والخضوع، من دان أي خضع وأسلم واستسلم للشيء، لكن صرف اللفظة للمعتقد مباشرة فهو غير صحيح بالمرة ويجب تعريف كل معنى وردت فيها لفظة الدين بالقرآن أو في الكلام العامي العادي بين الناس فلا تتخذ ذريعة لتقويض الفكر والمنطق والحجة للمخالفة والترهيب الذهني والنفسي بُغية القضاء على الخصوصية والخصومة للطرف الآخر.
الاشراك بالله: لا يوجد في الوجود ما يعرف بــ “الاشراك بالله” من حيث وجود إلهين اثنين بينما يوجد في العقل الجمعي البشري والنفس الانسانية بامتداد الزمان والمكان شراكة ذهنية أو وجدانية مع الأشياء والأحياء لا تتعارض مع وحدانية الله قطعاً، لسبب بسيط إنَّ الله تعالى قضى بحكمه في الوجود بألوهيته المطلقة هو فقط لا غير، واشراك العباد الخلق بالتعدد يرجع لفطرة وفكرة الانسان للمعرفة بالضدية والتعددية والثنائية لا الواحدية الأحدية، لذلك نجد كل لفظة [واحد أو واحدة] في القرآن محذوفة الألف (وحد / وحدة) ليفيد هذه الشراكة من حيث الواحدية لأنَّ الرقم واحد يقبل التعدد والتنوع والانقسام والتجزئة بينما الأحدية المطلقة غير قابلة لذلك مطلقاً قال تعالى: {قل هو الله أحد} سورة الإخلاص.
إذاً، مفهوم الاشراك وحقيقته موجودة في الوجود قاطبة وفي قرارة النفس البشرية بالذات بيد أنَّها غير مرتبطة ولا متعلقة بالذات الإلهية الصرفة من حيث وجود إلهين اثنين فأكثر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
عليه، لا يحق لأي مخلوق كان اتهام الآخر بأنَّه مشرك بالله من حيث التعدد الإلهي – حاشا لله وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – وكون إشراك البشرية بالأشياء والأحياء فهذا أمر محكم عليها في الوجود لا فكاك عنها ولا عنه ولا تثريب عليها ويجب إبعاد والصاق تهمة الاشراك بالله أو المشرك بالمعتقد بالخروج عن الملة أو ربقة الإسلام عن الناس وبالذات المحمديين فهذا خطأ شنيع وبهتان عظيم إذ يخالف الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، قال تعالى: {ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} سورة يوسف، فأقر الله سنته على خلقه بالإشراك عموماً في الأحياء والأشياء بينما قضى عليهم بحكمه في ذات الوقت بأحدية الألوهية، قال تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه} سورة الإسراء، وقال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم: أن لا تشركوا به شيئًا} سورة الأنعام، فالتحريم هنا بمعنى القطع الحازم غير القابل للمغالطة أو التعدي أو التثنية أو التحوير أو التدوير أو التدليس أو التحايل أو التبديل أو خلافه، فليس للإشراك بالله من سبيل للخلق بحال من الأحوال، فلا يحق لأي أحد كان التخويف به وارهابه والكيد له للآخر عند القضاء ولا غيره بكلمة لا يعرف معناها.
الإسلام: من أسلم للشيء أي امتثل له واطاعه دون ارادة أو بإرادة للأحياء والأشياء، كل الوجود أحياءه وأشياءه تسلم لله وتمتثل له بحكم القهر والجبر الإلهي عن الخلق والتخليق والتكوين بلا نهاية وليس بشيء أو بحي مطلقاً بخارج عن تسليمه لله والخضوع له والامتثال له، فالمعصية في حد ذاتها طاعة في معنى المعصية في علم التوحيد، قال تعالى: {ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} سورة فصلت، والكره هنا بمعنى الطاعة أيضاً لأنَّها لا تملك من نفسها وذاتها إرادة ولا حيثية ولا شيئية ولا كينونة فافهم.
من يصرف مصطلح الإسلام للمعتقد فقد أساء الفهم والظن وسوء الأدب مع الله فلا علاقة لمصطلح الإسلام من حيث عموم المعنى الامتثال والطاعة لله بالإسلام المحمدي من حيث المنهج والرسالة المحمدية، وهو ما يعرف بالإسلام الكبير المحيط بالوجود الظاهر والباطن، فلا محل لها لما يعرف بالخروج عن الإسلام الملة البتة بحال من الأحوال، فإذا خرج أحدهم كما يُقال ويُظَن عن ربقة الإسلام فإلى أين يذهب عن ملكوت الله ؟ قال المعري:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه * فيخرج من أرض له وسماء
يأبق بمعنى يهرب، قال تعالى: {يا معشر الجن والانس: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان} سورة الرحمن، وليس للإنس والجن من سلطة لعمل ذلك كما ترى.
الرِدَّة: الأصل في الوجود الفطري الحرية بلا منازع، فحرية اتخاذ أي قرار أو فعل أو صنيعة يخضع خضوعاً تاماً للحرية الشخصية ما لم تتعد هذه الحرية عتبة حرية الآخرين، فإذا تعدت، صودرت بالقانون العرفي أو الوضعي للدولة، والحكمة من الحرية المطلقة ما لم تتعد ما ذكرت أنها من سنن الله في الخلق الحي، الإنسان، / قانون إلهي، سنة كونية / فلا يحق لأحد نزعها ولا مصادرتها ما لم تتجاوز عتبة حرية الآخرين أو النظام المجتمعي أو القانون المعمول به في الدولة.
بهذا المنطلق والقاعدة الاصولية في منح الحق الإلهي الحريات العامَّة وحقوق الإنسان لأخيه الإنسان لقوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} سورة التغابن ، وقال تعالى: {وقل الحق من ربكم: فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر} سورة الكهف، شاء أي: الله لا الناس.
الحق، في الآية يشير إلى مبدأ فطرة الخلق بقانون الحريات العامَّة وحقوق الإنسان قاعدة اصولية لا يحق لأي أحد كان أو جماعة أو جهة اعتبارية كانت، نزعها والتغول عليها وتصريفها نحو المعتقد بالتحديد بغرض الوصاية الإلهية المطلقة المدعاة من فرد على آخر أو جماعة على أخرى أو جهة اعتبارية على شعب أو فئة أو ما أشبه.
الأمر المهم هنا: لا توجد أي آية واحدة في القرآن تفيد بالرِدَّة عن معتقد لآخر، فالله هو خالق المعتقد بحكمه وحكمته فكيف للبشر التدخل لتغيير الفطرة العامَّة أو القانون السماوي لقاعدة فقهية بشرية خاصة تبيح ما يعرف بالرِدَّة واباحة دم المرتد، لأنَّه بدل دينه أو غيره أو خالفه أو رفضه لكن للمجتمع عبر آلياته أن يحاور ويناقش بالحجة والمنطق والعقل والمسالمة لا بالسلاح أو التخويف السلطوي حال لم يفهم البعض معنى الحرية وحقها للبشرية جميعاً، وفي كلٍ لا يحق لأحد كان قهر من اختار معتقده أو ملته أو دينه أو خلافه، والفتك به واباحة دمه لمجرد مخالفته لعقيدة ومعتقد الآخر، فالدين ذاك لله لا لأحد، قال تعالى: {تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم * إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق ! فاعبد الله مخلصاً له الدين * ألا لله الدين الخالص ؟ والذين اتخذوا من دونه أولياء ، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} سورة الزمر، وقال في ذات السورة: {قل الله اعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه، قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، الا ذلك هو الخسران المبين}.
إذاً ! يُمنع منعاً قاطعاً تسويف وتحوير كلام الله عن مبتغاه ومرماه لتصريفه وفق المزاج الخاص أو قل المنهج الفقهي طالما نحن المحمديين نقر بالإجماع على صحة تواتر القرآن فلا ضرورة للأخذ بما هو قطعي لما هو فقهي أو شفاهي نقلي أو متعارف عليه في العقل الجمعي الإسلامي، والحق أن نقف على النصوص القرآنية قبل البحث عن بديل آخر، ولكل مقام مقال بلا شك.
أمَّا بالنسبة للذين يستدلون على حكم الرِدَّة المعتقدية من الآية الكريمة: {ولا يزالون يقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن “يرتدد” منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة واولئك هم أصحاب النار هم فيها خالدون} سورة البقرة، فإن الاستدلال هنا بحكم الرِدَّة المعتقدية خطأ فاحش وشنيع من عدة وجوه:
أ – السياق والصياغ العامَّيْن للكلمة “يرتدد” بخطيها العربي المعروف والقرآني المرسوم هكذا بالمصحف لا تفيد ولا تشير ولا تعني ردة المعتقد الديني المحمدي لدين آخر.
ب – اللفظة “يرتدد” وليس “يرتد” فالارتداد هو التذبذب أو الحركة أو الاضطراب سواء في الرأي أو الفعل أو غيره بين شيئين فأكثر، أمَّا “الرِدَّة” فهي حركة أو اضطراب أو تذبذب أو تباين أو اصطدام أو خلافه بين اثنين فقط لا أكثر، ولك أن تلاحظ وتقارن الفرق بين اللفظتين في النص للمعنى المراد.
ج – السياق والصياغ العامَّيْن للكلمة تتحدثان عن القتال والمعارك لا عن المعتقد، أو إن شئت: عن المعتقد القتالي أو العقيدة القتالية بالإرجاع القهري القسري بواسطة السيف حيث كان المسلمون قبل بداية المعركة أو لحالهم قبل المبعث النبوي الشريف، ولا علاقة لها البتة بالدين المحمدي من حيث المعتقد أو الملة أو خلافه.
د – أيضاً، تتحدث الآية عن: القتال، الفتنة، الصد عن سبيل الله، الكفر به، إخراج أهله منه، غاية القتال وهي الارجاع للوضع قبل المبعث النبوي الشريف.
ه – عقوبة من تذبذب واضطرب في حسم رأيه وموقفه عن القتال من عدمه هو عقوبة اخروية لا دنيوية.
و – لا تشير الآية لا من قريب ولا من بعيد إلى التوصية أو الاحلال والابدال لأحد أو لجهة أو لجماعة أو لغيرهم بالفتوى أو الذهاب إلى أن المقصود هو ردة معتقدية وليس ارتداداً عن حركة بشرية طبيعية لفعل خارج الإرادة، عقوبتها القتل ؟ وهذا غير موجود قطعاً في ألفاظ الآية الكريمة، فمن أين أتى هؤلاء ليحرفوا قوله تعالى لغرض متوهم؟.
الرجم للزاني: ما قيل عن الرِدَّة يقال عن الرجم.
ليس في القرآن كله الذي بين أيدينا منذ العهد النبوي وفي حياته الشريفة وحتى اليوم وإلى يوم يبعثون ما يشير أو ما يدل على معاقبة الزاني بالرجم لأي معنى وردت فيها اللفظة خلاف الجلد بين خمسين إلى مائة جلدة، وللرجم عدة معاني يختلف معناها حسب السياق والصياغ العامَّيْن للكلمة ما لم يكن لموضوع واحد واصل الرجم في اللغة الإبعاد والابتعاد، قال تعالى: {ولو لا رهطك لرجمناك وما انت علينا بعزيز} سورة هود، يعني ابعدناك من قريتنا واخرجناك منها على صلة لك ومعرفة بك ، ولا يمكن لعاقل ولا لعقل جمعي حادث أن يقتنع أو يقبل بأكذوبة (حذف رسمها وبقي حكمها) ولا أن يسكت عليها منذ اليوم، فهذا لا ينطلي على عقل واع ولا فكر سليم ولا منطق صحيح وهو من سخريات التلاعب بالعقول في عصرنا الحالي بلا شك من بعض الأشخاص والجهات الاعتبارية للأسف الشديد فيجب إيقافه فوراً بالفهم الصراح والموضوعية الهادفة والنقاش المفيد.
الحدود: الحدود في القرآن متعلقة بقضايا الأسرة والمجتمع ولا علاقة لها بالسرقة أو النهب أو قطعة الطريق أو ما أشبه، راجع كتابي “الفكرة الإنسانية العالمية” وعقوبتها مرجعها للعرف والقانون وليس لفتاوي فقهية عفا عليها الدهر.
الناسخ والمنسوخ – المحكم والمتشابهة: دون الخوض في التفاصيل، كل القرآن مثبت ومحكم ولا يوجد فيه ما يعرف بالناسخ والمنسوخ إلا في وهم العقل الجمعي الفقهي الإسلامي ولا يمكن بحال من الأحوال تصحيحه وفق فهم خاطئ ومغلوط لإرضاء بعض الكبرياء وبعض المقامات لأفراد أو لجماعات أو لمؤسسات اعتبارية فالرجوع للحق فضيلة لا رذيلة بلا جدال.
الخروج على الحاكم: من الضرورة بمكان أن نعرف ونعترف وللأمانة وللنزاهة أن الخروج على الحاكم لا علاقة له بأي معتقد كان ولا بأيَّة فتوى كانت وهذا الأمر متروك وفق حركة المجتمع المدني لضرورة التغيير السياسي لنظام الدولة وإعادة حكم الشعب للشعب وفق الاختيار المؤسسي والانتخاب المباشر والمناسب للشخص المناسب من الشعب للشعب وقد اشار القرآن إلى ذلك حيث قال : {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} سورة الرعد، وقوله بالأنفال: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم} سورة الأنفال.
عليه ! أي فتوى فقهية في هذه القضية مردودة على صاحبها ولا يعتد بها وهنا أشير إلى مسألة الإسلام السياسي ما له وما عليه وتجنيد بعض الشباب أو التمهيد لهم بفتوى حرمة الخروج على الحاكم درئاً للفوضى ومنعاً لها حتى تأتي المعجزة خارج ارادتهم والناموس الطبيعي بالتغيير فهذا مرفوض ومردود بكل تأكيد.
الحلال والحرام: كل الأشياء والأحياء مباحة وحلال ما لم يأت نص قطعي وصريح في القرآن بالتحريم ولا تحتاج إلى أي فتوى ولا فقه ولا مشاورات ولا خلافه، ولا يحق لأي أحد كان أو جماعة ما أو جهة اعتبارية كانت بإصدار فتوى تحرم ما لم يحرمه الله بنص قاطع وصريح في القرآن وإلَّا فهي غير ملزمة ولا حجة له للناس بها، لكن من حقهم المكفول بالنصح والإرشاد للناس أن يمنعوا ويسنوا القوانين الرادعة للمنع والنهي لكن للتحريم فلا يجوز بحال من الأحوال، قال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} سورة النحل.
السُنَّة النبوية: ومجملها في أمرين اثنين لا ثالث لهما:
أ – سُنَّة عادة: وهي مرحلية غير ملزمة بالاتباع لاختلاف الوقت والثقافة والبيئة والعقل الجمعي البشري آنذاك واليوم وغد، ومن قدر عليها فلا بأس بها ومثلها: ركوب الناقة أو الخيل أو الحمير أو البغال وسيلة مواصلات أو إطلاق اللحية وحف الشارب وهما يخضعان للجينات الوراثية أو تقصير الجلباب بالنسبة للرجال وهكذا.
ب – سُنَّة عبادة: وهي ملزمة الاتباع والتقليد والاحتذاء والاقتداء والعبادة عموماً غير قابلة للتجديد أو التطوير أو التطور فهي ثابتة إلى أن يشاء الله وعلى المتبع اتيانها كلها إن استطاع أو ما يقدر عليه بلا تعدي أو تفريط أو اهمال أو تكاسل ومثلها : شعائر الحج والعمرة والصلاة وهلم جرا ، ومثبتها في القرآن: {ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، واتقوا الله ، إن الله شديد العقاب} سورة الحشر.
الوحي: هو الإلهام أو ما يقع في النفس والخاطر بأمر ما يحركه أو يقعده لشيء ما يجد نفسه بلا إرادة متجه إليه أو بإرادة حسب ما يكون فيها من توجيه، ولا يوجد في القرآن ولا في الإسلام ما يعرف بالوحي الثاني المصطلح عليه عند البعض بالسُنَّة النبوية المطهرة فهذا افتراء وحنبريت وليس ههنا موضع التفصيل، لكن بعموم المسألة يقول تعالى في الوحي وكيفيته واختلافه واختلاف طرقه ورسله فيه حتى النحلة والجماد وكل الأشياء والأحياء يوحي لها ويلهمها الحركة والسكون والتقلب في الصور كيف يشاء: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلَّا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، إنه عليم حكيم} سورة الشورى، ويختلف الوحي للأشياء والأحياء اختلاف مقدار لا نوع إذ النوع في علم التوحيد يمتنع، وبصورة عامة السُنَّة النبوية المطهرة ليست وحيا يوازي القرآن بل هو قول بشري عادي قال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} سورة الكهف.
الشريعة الإسلامية: سبق تفصيله في أكثر من موضع / راجع كتابي “الفكرة الإنسانية العالمية” لمزيد من التفاصيل / لكن للزوم الفائدة ما أمكن اعيده هنا باختصار شديد وانبه لضرورة التفريق بين الدين، المنهاج الرباني المحمدي لاتباعه وبين الشريعة الإسلامية التي هي الدستور الدائم من السماء لأهل الأرض وبين بقية المسميات والمصطلحات المتداخلة ههنا بعشر نقاط أساسية لا يخرج منها خارج ولا يتعداها أحد مخلوق يمشي على اثنين أو أربع أو على بطنه أو يطير في السماء أو يمشي على الماء بحال من الأحوال، وانبه هنا لما يعرف بفصل الدين عن الدولة حتى لا يستغل الدين عاطفياً لتمرير أجندة سياسية أو غيرها بقصد أو بجهل تام وهو أغلب الظن، على النحو أدناه:
أ / عدم الاشراك بالله، ويقابله مفهوم المعتقد بوحدانية الذات الإلهية الصرفة لعموم الوجود وبالذات البشر، وتعرف حديثاً بالحاكمية لله والسلطة للشعب.
ب / بالوالدين إحساناً، وهو بر الوالدين ويتجه نحو التربية والتعليم والتلقين والتهذيب وتكوين الأسرة الصالحة للمجتمع الصالح.
ج / ايتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل، وتتجه نحو التكافل الاجتماعي والضمان التعاوني الدولي البشري قاطبة في السراء والضراء وهي ما ذهبت إليه منظومة الأمم المتحدة في أكثر من سبعة عشر بنداً تعرف بالحريات العامَّة وحقوق الإنسان فلتراجع حيث كانت.
د / عدم مقاربة مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وتذهب مذهب حفظ الحقوق والواجبات والالتزامات لمجتمع سليم معافى من الظلم والقهر والكبت لشريحة بشرية ضعيفة فلا تستضعف أو تستغل وهي مسؤولية تكافلية يقننها القانون والدستور والعرف المجتمعي الأهلي حيث كان.
ه / عدم مقاربة الزنا، وهو سلوك تربوي وتنشأة فطرية للناس فلا يتعدى الاطار الشرعي لعلاقة غير شرعية لعمل غير مشروع وتنشأ بالتعريف بخطورتها وتعديها على الحرمات وهي مسؤولية الفرد والجماعة والدولة عبر الياتها ومؤسساتها المعروفة لحماية العرض والشرف وصون الفرد والجماعة من الرذيلة.
و / عدم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، والحق هنا اثنان: القصاص أو القتال في سبيل الله، بالنسبة للإنسان لرفع قيمة الحياة عند النفس البشرية ولمنع ازهاق الأرواح دون وجه حق وتتكفل الدولة والمجتمع بالحماية والعناية والرعاية والمنع بكل السبل لإعمار الأرض وتزكية النفس بالحق والخير والفضيلة.
ز / عدم قتل الأولاد خشية الاملاق، وتتجه إلى عدم إشعال الحروب الأهلية والقبلية والاثنية وصراع الموارد البشرية والطبيعية وخلافه، واعطاءهم حقهم في التعليم والعمل والكسب والعيش والحياة الكريمة كما نصَّت بذلك العهود والمواثيق الدولية بُغية الاستفادة من خيرات الأرض وعقل الإنسان في الاعمار والتعامل مع الغير.
ح / الايفاء بالوعد، وهو سلوك حميد يقصد به تربية الأخلاق للناس وأولها عدم الكذب في القول والالتزام بما وعد وأن لا يخلفه قدر الإمكان وفي ذلك تعريف بصفات الله عز وجل لقوله عليه السلام: (تخلقوا بأخلاق الله فإن ربي على سراط مستقيم).
ط / الايفاء بالعهد، وهو الالتزام بما ورد في ابرام العهود والمواثيق والاتفاقات والتعاقدات والالتزامات من شروط وأداء للحقوق والواجبات بدأ من الفرد نهاية بالجماعة انتهاء بالمؤسسات الدولية، سواء كانت شفاهية أو مكتوبة خشية الدخول في صراعات ونزاعات وحروب لأتفه الأسباب ومثاله صلح الحديبية.
ي / الايفاء في الكيل والميزان والوزن بالقسط، وهو عدم أخذ أو أكل أموال الناس بالباطل أو تطفيفه وانتقاصه بانتقاص الحقوق والشروط سواء كانت مادية أو معنوية فيجب الموازنة بينهما والقسط والعدالة الاجتماعية في المعاملات التجارية والصناعية وهلم جرا أو ما يعرف حديثاً بالتوزيع العادل للثروة.
لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع لكتابي “الفكرة الإنسانية العالمية”.




