آراءثقافة
أخر الأخبار

الدعاة الجدد والتسطيح المعرفي.. بين جاذبية الحضور

تعتمد ظاهرة الدعاة الجدد في جوهرها على لغة عاطفية تجد قبولاً واسعاً في فضاءات التواصل، خاصة وأن هذا المسار أوجد نمطاً من التدين يركز على الجوانب الوجدانية والتحفيز النفسي

يشهد المجتمع المعاصر تحولات جذرية في طرق تلقي المعرفة الدينية بفعل الهيمنة المتزايدة للوسائط الرقمية، مما أفرز أنماطاً تواصلية جديدة، حيث تداخلت الوظيفة التوجيهية الأخلاقية مع طبيعة الوسائط الحديثة التي تميل نحو الحضور السمعي البصري المكثف، وهذا ما جعل الخطاب الدعوي يقف على مفترق طرق بين الحفاظ على رصانة العلم وبين مقتضيات التواصل المعاصر المتسم بالسرعة.

فكيف أثرت هذه الوسائط في تحويل المعرفة الدينية من سياقها المتأني إلى قوالب سريعة قد لا تسعف في بناء وعي عميق، وما هي التبعات المنهجية لتقديم الوعظ العاطفي في مباحث علمية تخصصية تتطلب أدوات بحثية صارمة لا تتوفر بالضرورة في الفضاءات الرقمية المفتوحة؟

تعتمد ظاهرة الدعاة الجدد في جوهرها على لغة عاطفية تجد قبولاً واسعاً في فضاءات التواصل، خاصة وأن هذا المسار أوجد نمطاً من التدين يركز على الجوانب الوجدانية والتحفيز النفسي، مما قد يأتي أحياناً على حساب العمق المعرفي، إذ يلاحظ تغليب الطابع البصري التفاعلي على الطرح الرصين الذي يخاطب العقل بعيداً عن المؤثرات التقنية.

وعلى خلاف المنهج العلمي الراسخ، نجد أن هناك خوضاً في تخصصات علمية دقيقة ومباحث فلسفية معقدة دون استناد كافٍ إلى أدوات المنهج النقدي، حيث يتم الاعتماد على شذرات معرفية منقولة عوضاً عن العودة إلى المصادر الأصلية، وهو مأزق معرفي يجعل المعرفة الدينية تخضع لمنطق التلقي العابر والتبسيط المخل.

ومع تنامي هذه الظاهرة، يتأثر العقل المتلقي بمناخ يؤدي إلى تسطيح القضايا الكبرى وتقديم إجابات جاهزة لمشكلات معقدة، مما قد يحد من قدرة الفرد على التأمل الذاتي والبحث المعمق، ويظهر هذا بوضوح حين يتم تناول نظريات علمية أو طبية بأسلوب وعظي يفتقر للتخصص، فيحدث خلط بين الظن واليقين، ويتم الاتكاء على التأثير الصوتي والحركي لتعويض الغياب المنهجي.

هذا التحول جعل الخطاب الديني يركز بشكل مفرط على استثارة العاطفة، كما يتحمل الجمهور جزءاً من المسؤولية بجنوحه نحو الإجابات السهلة والمختصرة، مما يؤدي إلى ارتباك معرفي حين تصطدم هذه المعلومات القشرية بأول اختبار فكري حقيقي.

إن ما نعيشه اليوم يمثل تحولاً في طرق انتقال المعرفة، حيث يتم تبني أساليب تعلي من شأن الانتشار الميداني، ولا بد من التأكيد على أن المناهج غير الدقيقة تفضي حتماً إلى نتائج غير دقيقة، فإرباك العقول بمعطيات غير محققة يمثل تحدياً حقيقياً لسلامة الفكر.

إن المرحلة تتطلب استعادة هيبة المعرفة الرصينة التي تضع فاصلاً منهجياً بين الوعظ الأخلاقي وبين التخصص العلمي، ولذلك فإن الطريق يبدأ بتعزيز الوعي النقدي لدى المتلقي ليميز بين المعرفة المؤسسة وبين الطرح العابر، لأن النهضة الفكرية الحقيقية تنطلق من احترام العقل والمنهج، وتعتمد على البحث الدؤوب لا على مجرد التفاعل في الفضاءات الافتراضية.

تظل الحاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات العلمية التي تصون التخصص وتحمي المعرفة من التبسيط الزائد، فالمسألة تتعلق بحماية العقل الجمعي من أي تزييف قد يطال الجوهر المعرفي.

وإذا كان الوعي النقدي هو الركيزة الأساسية في مواجهة هذا المد العاطفي، فهل تنجح الأجيال القادمة في التمييز بين الجوهر الروحي العميق وبين الحضور الرقمي الذي استوعب التقنية لكنه قد يغفل في غمرتها جوهر البحث العلمي الرصين؟

https://anbaaexpress.ma/ibm0n

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى