لا يكفي أن تحمل وثيقة ما شعار منظمة دولية مرموقة حتى تُضحى مرجعًا حقوقيًا نزيهًا، فالمصداقية كما العدالة تُبنى على التطبيق المتساوي للمعايير، لا على الانتقائية المقنعة بلغة الحياد.
وهذا بالضبط ما يطرحه التحليل النقدي الصادر عن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية في مواجهة التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2025، الصادر في 21 أبريل 2026.
اختلال الميزان: المنطلق الجوهري
يكشف التحليل النقدي المعمق الذي أجراه تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية عن خلل بنيوي عميق في طريقة بناء التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية، يتجلى في أوضح صوره في معالجة الأوضاع الحقوقية بمنطقة المغرب الكبير.
فبينما تُسلَّط أدوات الرصد كاملة على الملفات المغربية بدقة مجهرية واضحة، بالرغم من إظهار التحالف لتردد في الجزم بصحة ما ورد في السياق المغربي، تنزلق المعالجة الخاصة بمخيمات تندوف نحو الهامش، مختزلة في سطرين يتحدثان عن ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع المساعدات الإنسانية.
ولا يعكس هذا التباين مجرد قصور في جمع المعلومات، بل يشي بهندسة تقريرية مقصودة تنتج مناطق ظل حقوقية يصعب فيها إنصاف الضحايا.
والأخطر من ذلك أن المنظمة أسقطت من سرديتها كليًا ما بات موثقًا من جرائم خطيرة، في مقدمتها الإعدامات خارج نطاق القضاء التي تنفذها وحدات من الجيش الجزائري في محيط المخيمات، وعمليات الاختفاء القسري، والقمع السياسي الممنهج لأصوات المعارضة داخل المخيمات.
جريمة 9 أبريل 2025: الاختبار الفاضح
في التاسع من أبريل 2025، وقع حادث مأساوي جنوب دائرة العركوب بمخيم الداخلة في تندوف، إذ لجأت وحدات من الجيش الجزائري إلى القوة المميتة ضد مدنيين صحراويين كانوا يزاولون نشاطًا معاشيًا يتمثل في التنقيب التقليدي عن الذهب، ما أسفر عن مقتل سيد أحمد ولد غلام ولد بلالي والناجم ولد محمود ولد فنيدو، وسقوط جرحى آخرين.
وتؤكد الدكتورة مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن التحالف تحرك بسرعة لتوثيق الواقعة بكل تفاصيلها، وأرسل بلاغًا عاجلًا ومفصلًا إلى منظمة العفو الدولية في الثالث عشر من الشهر ذاته، حيث جاء رد المنظمة في الحادي والعشرين من مايو 2025 إيجابيًا في ظاهره، معلنة أخذها لهذه الادعاءات على محمل الجد.
غير أن التقرير السنوي الصادر لاحقًا جاء خاليًا من أي إشارة إلى هذه الجريمة، وما سبقها من سياق أوسع وثق ما لا يقل عن 21 حالة إعدام خارج نطاق القضاء منذ عام 2014.
وهو ما يبرز هذا التناقض الصارخ بين الوعد المعلن لمنظمة العفو الدولية كجهة تتخذ من الاستقلالية والحياد والنزاهة والصرامة المنهجية في الرصد والتوثيق والنقل الصادق للأحداث والوقائع في مختلف مناطق العالم، وبين الصمت العلني الذي يفقد المنظمة جانبًا كبيرًا من مصداقيتها، ويجعل التساؤل مشروعًا حول أي اعتبارات دفعتها إلى هذا الاختيار، وفق ما أوضحته الدكتورة مينة لغزال بكثير من التفصيل.
التأطير الخاطئ: من قضية حقوقية إلى أزمة إغاثية
لم يكتفِ التقرير بالإغفال، بل ارتكب خطأ منهجيًا مضاعفًا بإدراج ملف تندوف ضمن تصنيف “حقوق اللاجئين والمهاجرين”، وهو خيار هيكلي يحمل دلالات عميقة. فهذا التأطير يُجرِّد القضية من عمقها الجيوسياسي، ويحوّل انتهاكات ممنهجة ذات طابع جنائي إلى مجرد أزمة لوجستية مرتبطة بشح الإمدادات.
الأزمة الحقيقية في تندوف ليست غياب المساعدات فحسب، بل هي نتاج سياسات قمعية ممنهجة، وفراغ قانوني مُصطنع، وتغييب متعمد للهوية القانونية للساكنة عبر رفض الجزائر إجراء إحصاء رسمي تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
الجزائر بين ما وثّقه التقرير وما أسقطه
يرى عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة أفريكا ووتش وكاتب عام التحالف، أن تقرير أمنستي السنوي لعام 2025 أشار بحزم إلى آليات القمع الداخلي في الجزائر، من اعتقالات تعسفية للناشطين، إلى تعديلات تشريعية مكبِّلة للحريات، وصولًا إلى ترحيل المهاجرين بصورة مخالفة للقانون الدولي.
غير أن هذا الحزم، يضيف الخبير الحقوقي المغربي، تبخر تمامًا حين يتعلق الأمر بمخيمات تندوف، رغم أنها تقع جغرافيًا فوق التراب الجزائري وتخضع قانونيًا للمسؤولية السيادية للدولة الجزائرية بصفتها الدولة المضيفة، مؤكدًا أن الالتزامات التعاهدية لا تسقط بالتفويض إلى كيان غير دولتي منتهك لحقوق الإنسان كجبهة البوليساريو.
التناظر المفقود: مجهر على المغرب وعمى عن تندوف
ويتوقف السيد عبد الوهاب الكاين عند ظاهرة لافتة تمس البنية الكاملة للتقرير؛ فمن جهة يخضع المغرب لتدقيق تفصيلي مستفيض يتتبع الإجراءات القانونية بأدق تفاصيلها، بغض النظر عن صحة الوقائع والحالات المعروضة من عدمها، في حين تُعامل مخيمات تندوف بمعيار مختلف تمامًا، يغفل ملفات الاختفاء القسري والتعذيب والقمع السياسي ويختزلها في مؤشرات معيشية باردة.
ويؤكد المتحدث أن هذا التفاوت في الرصد لا ينتج توثيقًا متوازنًا، بل يعيد رسم الخريطة الحقوقية للمنطقة وفق منطق انتقائي يخدم جهات بعينها.
الفراغ القانوني: جوهر المأساة
تكشف الوثيقة أن المأساة الحقيقية في تندوف تتجذر في فراغ مؤسساتي متعمد الصنع؛ فالجزائر ترفض السماح بالإحصاء الرسمي للساكنة، مما يجرّدهم من المركز القانوني للاجئ بموجب اتفاقية 1951 وبروتوكولها لعام 1967.
وترى الدكتورة مينة لغزال أن غياب هذا المركز يعطل عمل آليات الحماية الأممية، ويحوّل سكان المخيمات إلى كيان خارج نطاق القانون الدولي، حيث لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم أمام أي جهة دولية.
وتضيف منسقة التحالف أن ذلك يترافق مع القبضة الأحادية لجبهة البوليساريو التي تمنع أي تنظيم مستقل، وتجرّم المعارضة، وتحرم النساء من حرية التنقل، فضلاً عن توثيق ممارسات خطيرة كالتجنيد العسكري للأطفال واستغلالهم عبر برامج تُقدَّم في واجهتها على أنها إنسانية مثل برنامج “عطل من أجل السلام”.
الفساد الهيكلي: الحلقة المسكوت عنها
ويشير كاتب التحالف إلى أن من أكثر السقطات فداحة في تقرير منظمة أمنستي هو التغييب المقصود لأسباب الأزمة الإنسانية في مخيمات تندوف، وشُح التمويلات الدولية، في إغفال متعمد لتقارير المكتب الأوروبي لمكافحة الغش، والتي تنص على وجود عمليات ممنهجة لتحويل المساعدات الإنسانية الدولية نحو شبكات الاتجار والتربح غير المشروع.
ويضيف أن هذا الفساد البنيوي هو المحرك الحقيقي لأزمة سوء التغذية التي يشير إليها التقرير باقتضاب دون أن ينقب في أسبابها الجذرية، حيث يخلص إلى أن المنظمة اكتفت بذكر الظاهرة وأسقطت المسبب، في تناقض صارخ مع منهجيتها المعتادة في تحليل سياقات أخرى.
ويضعنا هذا التحليل النقدي أمام سؤال جوهري لا مناص من مواجهته: هل باتت تقارير المنظمات الحقوقية الكبرى أدوات للمساءلة، أم أنها انزلقت في بعض ملفاتها إلى أن تكون أدوات للإفلات من المساءلة؟
فالجواب يكمن في الوقائع الموثقة من قبل تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، والمتمثلة في رصد وتوثيق 21 حالة إعدام خارج نطاق القضاء منذ 2014، ومئات حالات الاختفاء القسري، وجريمة أبريل 2025 المعلومة لدى المنظمة، وهي كلها وقائع غابت عن التقرير السنوي الأكثر تأثيرًا في العالم الحقوقي.
فهذا الغياب لا يعد قصورًا عرضيًا، بل انتقائية ممنهجة تنتج ما يمكن تسميته بـ”الحصانة الموثقة”، أي الحماية التي يمنحها الصمت لجناة لم يُسمَّوا ولم تُحدَّد مسؤولياتهم.
فصحراويّو تندوف يعيشون منذ نصف قرن في عزلة سياسية وإنسانية خانقة، وحين تتغاضى منظمة تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان كونياً عن معاناتهم، فإنها لا تحايد بل تنحاز لصالح الصمت، ولصالح الجلاد، ولصالح استمرار المأساة.
والمطلوب اليوم ليس أقل من مراجعة جذرية لمعايير الرصد، وإصدار ملحق تصحيحي يعيد هؤلاء الضحايا إلى أجندة المساءلة الدولية التي حُرموا منها طويلًا، وفق ما أوصى به تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، لأن العدالة الانتقائية ليست عدالة، والحياد الزائف أبلغ ضررًا من الانحياز الصريح.
وفي هذا الخضم، صرّح مسؤولو التحالف لموقع أنباء إكسبريس بأن التزامهم باليقظة والتفاعل حول ما يُنشر عن المملكة المغربية والأقاليم الجنوبية على وجه الخصوص يدخل في صميم عمل المجتمع المدني المهني، الذي يبادر باستمرار دون انتظار توجيه أو اقتراب استحقاق، لأن تعزيز وحماية حقوق الإنسان، في تقدير مكونات التحالف، يحتاج إلى عمل دؤوب واطلاع واسع على مقتضيات القانون الدولي والتشريعات الوطنية المغربية والمنطقة بشكل عام، وتدخل وتفاعل سريع ورصين لتصحيح الصور النمطية التي ظلت منظمات دولية ومراكز وجهات دولية تنفثها في الفضاءات الحقوقية والأكاديمية والسياسية الدولية والقارية والإقليمية والوطنية.





