آراءسياسة
أخر الأخبار

العراق.. دولة تحت الاختبار (2)

الحلقة الثانية: زقاق النجف وكواليس "الخضراء".. صراع الشرعيات

رياض الفرطوسي

إذا كانت الحلقة الأولى قد كشفت لنا كيف وُلد الوعي من رماد التبعية وشراسة “الليفيثان” البعثي (هو “تنين بحري” أسطوري، استخدمه الفيلسوف توماس هوبز كرمز للدولة المستبدة ذات السلطة المطلقة، التي يمنحها الأفراد كامل إرادتهم مقابل حمايتهم من الفوضى)، فإن لحظة نيسان 2003 لم تكن مجرد ارتطام لتمثال ساحة الفردوس بالأرض، بل كانت لحظة “الانفجار العظيم” للهامش في قلب المركز.

فبينما كانت الجرافات تزيح الرموز المتيبسة لنظام “الرجل الواحد”، كانت جدران المدن العراقية تُطلى بملامح جديدة؛ عمائم سوداء صامتة ووقار ديني مهيب حل محل “الزي الزيتوني” الصاخب.

لم يكن هذا مجرد تغيير في ديكور الساحات، بل كان إعلاناً عن عودة الروح لمؤسسة ظلت لعقود تعمل في “تحت أرض” التاريخ أو في زوايا النجف المعتمة: المرجعية الدينية.

إن صعود المرجعية كفاعل استراتيجي يتطلب منا تجاوز القراءات السطحية التي تحصرها في إطار طائفي ضيق؛ فهي، بتمحيص عميق يشتبك مع أطروحات المؤرخ البريطاني تشارلز تريب، تمثل “سلطة شرعية موازية” نمت بنيوياً خارج مدارات الدولة.

وهنا يبرز الفارق الجوهري؛ فبينما تماهت المؤسسات الدينية التقليدية تاريخياً مع هيكلية الدولة، نأت النجف بنفسها في “حيز استقلالية” فريد، صاغه الفقه الأصولي الذي يمنح “المرجع” شرعية تستمد قوتها من “التقليد الشعبي” والتمويل الذاتي، لا من الهبات السلطوية. هذا التموضع يذكرنا بمفهوم “المجتمع المدني الديني” الذي يمتلك أدوات ممانعة فطرية ضد التدجين السياسي.

لكن الاختبار الحقيقي للدولة العراقية “الناشئة” بدأ حين وقع الصدام الصامت بين عالمين متناقضين: زقاق ضيق متواضع في النجف يسكنه السيد علي السيستاني، وتحصينات “المنطقة الخضراء” حيث كان يقبع الحاكم المدني بول بريمر.

في مذكراته “عامي في العراق”، يعترف بريمر بمرارة أمام تلك المعضلة؛ فقد جاءت واشنطن محملة بنماذج “الديمقراطية الفوقية” عبر مجالس معينة، إلا أن النجف أخرجت “سلاح الفتوى” الاستراتيجي، مطالبة بانتخابات مباشرة لكتابة الدستور.

لم تكن هذه المناورة مجرد طموح سياسي، بل كانت تجلياً لـ “الولاية العامة” في ظرف استثنائي، حيث تحول الرجل الذي لم يغادر منزله منذ سنوات إلى “المهندس الأول” للتحول الديمقراطي، مجبراً القوة العظمى الوحيدة في العالم على تمزيق خرائطها وإعادة رسمها وفق إيقاع النجف.

لقد نجحت المرجعية في ملء “الفراغ السيادي” الذي تركه انهيار الدولة المفاجئ، محولةً ثقلها الروحي إلى “كابح صدمات” استراتيجي منع انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة. ولأول مرة، باتت النصوص القانونية والتعيينات السيادية الكبرى تمر عبر “فلتر” الاستشارة المرجعية، مما خلق نوعاً من “الدستورية غير الرسمية”.

ومع ذلك، يضعنا هذا النجاح أمام سؤال فلسفي وجودي، يتقاطع مع تحذيرات ماكس فيبر حول “كاريزما القيادة”: هل تستطيع هذه السلطة الروحية، التي أنقذت الدولة في لحظة الانهيار، أن تظل بمنأى عن “لوثة السلطة” وصراعات المحاصصة المقيتة التي بدأت تلتهم الجسد الذي ساهمت المرجعية في ترميمه؟

إن الانتقال من “الشرعية الثورية” أو “الدينية” إلى “الشرعية المؤسساتية” هو الاختبار الأصعب الذي سنلاحق خيوطه في الحلقة القادمة، لنكتشف كيف تحولت “دولة المكونات” من حلم بالتمثيل إلى كابوس للفساد البنيوي.

يتبع..

* كاتب عراقي 

https://anbaaexpress.ma/l8fwo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى