تدخل المفاوضات الأميركية – الإيرانية لحظة دقيقة تتقاطع فيها الحسابات الاستراتيجية مع ضغوط الميدان، فيما يقترب العدّ العكسي للمهل السياسية من نهايته (مهلة الشهرين التي وضعها ترامب) من دون مؤشرات حاسمة على اختراق فعلي. المشهد لا يوحي بانسداد كامل، لكنه بالتأكيد لا يعكس مسارًا تفاوضيًا تقليديًا يمكن أن يقود إلى تسوية سريعة.
ما يجري يتجاوز إطار “ملف نووي” أو “أزمة مرحلية”، ليعبّر عن صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي، وعلى موقع كل من إيران والولايات المتحدة داخله، في ظل تداخل مباشر مع الحرب المستمرة في لبنان والتوترات المفتوحة على أكثر من جبهة.
في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة وضع النقاش في إطاره الأساسي؛ إيران لا تفاوض من موقع دولة تبحث عن مخرج تقني لعقوبات اقتصادية فحسب، بل من موقع دولة ترى نفسها صاحبة حق سيادي في تطوير قدراتها، وترفض أن تُختزل في صورة “الملف النووي” بينما تُفرض عليها منظومة عقوبات شاملة طاولت اقتصادها ومجتمعها على مدى سنوات. هذه العقوبات، التي توسعت لتشمل قطاعات حيوية، تُعدّ في القراءة الإيرانية ومعها شريحة واسعة من المتابعين، أداة ضغط تتجاوز منطق القانون الدولي، وتندرج ضمن سياسة احتواء تهدف إلى كبح دور إقليمي آخذ في التوسع.
من هنا، فإن أي مقاربة جدية للمفاوضات لا يمكن أن تتجاهل أن رفع هذه العقوبات ليس مطلبًا تفاوضيًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لأي اتفاق قابل للحياة.
ورغم أن الملف النووي لا يزال يحتل واجهة الخطاب السياسي، إلا أن المؤشرات المتراكمة تفيد بإمكانية الوصول إلى تسوية تقنية حوله، تقوم على مبدأ التوازن بين حق إيران في التخصيب السلمي وبين متطلبات الرقابة الدولية. هذا المسار، الذي كان يُعتبر في مراحل سابقة عقدة مستعصية، بات اليوم أقرب إلى الحل مقارنة بملفات أخرى أكثر تعقيدًا، ما يعني أن جوهر الاشتباك انتقل إلى ساحات أوسع تتعلق بالنفوذ الإقليمي ومعادلات القوة.
في هذا الإطار، يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أهم مفاتيح التفاوض. فالمضيق ليس مجرد ممر لنقل النفط، بل عقدة جيواستراتيجية تتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي. وإيران، بحكم موقعها الجغرافي، تمتلك قدرة تأثير لا يمكن إنكارها في هذا الشريان الحيوي، وهو ما يمنحها ورقة قوة أساسية في مواجهة الولايات المتحدة. في المقابل، تدرك واشنطن أن أي اعتراف بدور إيراني متقدم في إدارة هذا الممر سيُقرأ كتحول استراتيجي يمسّ بأسس النظام الاقتصادي الدولي. ومن هنا، يصبح التفاوض على هرمز في جوهره تفاوضًا على النفوذ العالمي، لا مجرد نقاش حول أمن الملاحة.
لكن التعقيد الأكبر يظهر عندما يتقاطع هذا المسار مع الساحة اللبنانية، التي تحولت إلى إحدى أبرز نقاط الاشتباك غير المباشر. فلبنان لم يعد مجرد ساحة هامشية، بل بات جزءًا بنيويًا من معادلة الردع الإقليمية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم دور المقاومة خارج إطارها كقوة محلية – إقليمية تمتلك قرارها وقدراتها، وتعمل ضمن رؤية دفاعية تقوم على ردع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة منذ عقود. الدعم الذي تتلقاه هذه المقاومة من إيران لا يُختزل في علاقة تبعية، بل يندرج ضمن تحالف استراتيجي يقوم على تقاطع المصالح في مواجهة تهديد مشترك.
هذه النقطة تحديدًا تشكل محورًا أساسيًا في السردية المتقابلة. فبينما تسعى إسرائيل، مدعومة من الولايات المتحدة، إلى تصوير الساحة اللبنانية كامتداد مباشر للنفوذ الإيراني بهدف تبرير سياساتها، تشير الوقائع الميدانية إلى أن المقاومة نجحت في ترسيخ معادلات ردع مستقلة، فرضت قيودًا واضحة على حركة الجيش الإسرائيلي. هذا الواقع لم يعد محل إنكار حتى داخل بعض الأوساط الإسرائيلية، التي باتت تقرّ بأن بيئة العمليات في لبنان تغيّرت بشكل جوهري، وأن أي مغامرة عسكرية واسعة ستواجه كلفة مرتفعة وغير مضمونة النتائج.
في المقابل، تواصل إسرائيل اعتداءاتها العسكرية في لبنان، في سياق صراع ممتد جذوره إلى ما قبل قيام الدولة اللبنانية الحديثة، وتحديدًا منذ عام 1948، ما يجعل المواجهة الحالية امتدادًا تاريخيًا لصراع لم تُحلّ أسبابه. وفي ظل هذا الواقع، يُنظر إلى استمرار المقاومة في الرد والدفاع كجزء من معادلة فرض التوازن، لا كعامل تصعيد بحد ذاته، خصوصًا في ظل غياب أي ضمانات دولية حقيقية لوقف الاعتداءات أو حماية السيادة اللبنانية.
غير أن هذا المشهد يتعقّد أكثر مع الموقف الرسمي اللبناني، الذي يجد نفسه في موقع بالغ الحساسية بين الضغوط الدولية والواقع الداخلي. فالانطباع السائد أن جزءًا من السلطة يميل إلى تبني سياسات تتماهى مع الرغبات الأميركية، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر مواقف عملية. هذا التوجه يفتح الباب أمام انتقادات حادة تتهم السلطة بإضعاف عناصر القوة الداخلية، وبالدخول في مواجهة سياسية مع المقاومة بدل البحث عن صيغة تكاملية تعزز الموقف اللبناني في مواجهة التحديات الخارجية.
هذا التباين لا يعكس مجرد خلاف سياسي داخلي، بل يطرح سؤالًا أعمق حول طبيعة القرار السيادي في لبنان، ومدى استقلاليته في ظل شبكة معقدة من التأثيرات الخارجية. فالدولة، التي تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية ومؤسساتية حادة، تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف يمكنها الحفاظ على علاقاتها الدولية وتفادي الضغوط، من دون أن تتحول إلى طرف في صراع داخلي يضعف موقعها أكثر؟ وهذا المنطق استسلامي يضرّ بلبنان ووحدته الداخلية، وما الاحتقان السياسي الحاد منذ تشكيل تلك السلطة الا بسبب تلك السياسية المتبعة حاليًا من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة.
في موازاة ذلك، يبرز الدور الخليجي، ولا سيما السعودي، كعامل توازن يسعى إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة مجددًا. فالتقارب الإيراني – السعودي الذي شهدته الفترة الماضية لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل يعكس إدراكًا متبادلًا بأن استمرار التوتر يستنزف الجميع، ويضع اقتصادات المنطقة، خصوصًا الخليجية، أمام مخاطر جدية. فدول الخليج، التي تعتمد بشكل أساسي على استقرار أسواق الطاقة وسلامة طرق الإمداد، تدرك أن أي تصعيد في مضيق هرمز أو في محيطه سيترك آثارًا مباشرة على اقتصاداتها.
من هنا، يمكن فهم الاندفاعة الخليجية نحو تشجيع الحلول السياسية، سواء عبر دعم الوساطات أو عبر تخفيف حدة الخطاب التصعيدي. هذه المقاربة لا تعني بالضرورة انحيازًا كاملاً لأي طرف، بل تعكس براغماتية متزايدة تسعى إلى حماية المصالح الاقتصادية والأمنية في آن واحد. وفي هذا الإطار، يشكل الحوار الإيراني – السعودي عنصرًا مهمًا في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، وفتح قنوات تواصل يمكن أن تساهم في تخفيف التوترات.
في ضوء كل هذه المعطيات، تبدو المفاوضات الأميركية – الإيرانية وكأنها تدور في فضاء متعدد الأبعاد، حيث تتداخل الملفات النووية مع قضايا النفوذ الإقليمي، ومع أمن الممرات الحيوية، ومع صراعات مفتوحة على الأرض، من لبنان إلى الخليج. هذا التعقيد يجعل من الصعب توقع مسار واضح للأحداث، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على حقيقة أساسية؛ لا يمكن لأي طرف أن يفرض رؤيته بالكامل من دون أخذ مصالح الآخرين في الاعتبار.
ومع ذلك، يبقى احتمال التصعيد قائمًا، خصوصًا إذا استمر الجمود التفاوضي، ولم تنجح الوساطات في تقريب وجهات النظر. ففي مثل هذه الحالات، قد تلجأ الأطراف إلى استخدام أدوات الضغط الميداني لإعادة تشكيل شروط التفاوض، وهو ما يحمل في طياته مخاطر توسع دائرة المواجهة. غير أن التجارب السابقة تشير أيضًا إلى أن هذه الأطراف، رغم خطابها المتشدد، تدرك حدود القوة، وتسعى في نهاية المطاف إلى تجنب حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.
في الخلاصة، يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس مجرد جولة تفاوضية عابرة، بل محطة مفصلية في مسار طويل من الصراع وإعادة التوازن. إيران تدخل هذه المرحلة من موقع يسعى إلى تثبيت حقوقه وكسر طوق العقوبات، مستندة إلى شبكة تحالفات إقليمية تشكل عنصر قوة أساسي. في المقابل، تحاول الولايات المتحدة إدارة هذا الواقع من دون الاعتراف الكامل بتداعياته، فيما تلعب إسرائيل دورًا ضاغطًا يسعى إلى منع أي تسوية لا تتوافق مع حساباتها الأمنية.
وبين هذه القوى، يتحرك الخليج، مدفوعًا بهاجس الاستقرار، نحو دعم الحلول السياسية، فيما يبقى لبنان في قلب المعادلة، ساحةً تعكس كل هذه التناقضات، وميدانًا تُختبر فيه موازين القوى، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من اتجاهات قد تحدد ملامح المرحلة الإقليمية القادمة.




