الشأن الإسبانيسياسة
أخر الأخبار

جزر الكناري على خط الدعم.. تقاطع الجغرافيا والسياسة في ترسيخ المبادرة المغربية “تحليل”

وبالعودة إلى البعد الدولي، فإن هذا الموقف يندرج ضمن موجة أوسع من الاعترافات والدعم للمبادرة المغربية، ما يعكس تحولا تدريجياً في مقاربة المجتمع الدولي لهذا النزاع، من البحث عن حلول مثالية إلى تبني حلول ممكنة..

في سياق التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، يكتسي موقف فيرناندو كلافيخو دلالة تتجاوز بعده التصريحي، ليعكس تموقعاً سياسياً ينسجم مع الاتجاه العام داخل إسبانيا، ويمنح في الآن ذاته بعداً جيوسياسياً إضافياً للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

فحين تعلن حكومة جزر الكناري، من داخل لاس بالماس، تبنيها الكامل للموقف الرسمي لمدريد، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالاصطفاف المؤسساتي، بل بتكريس قناعة متنامية بأن تسوية هذا النزاع تمر عبر مقاربة واقعية تتجاوز منطق الشعارات نحو منطق المصالح والاستقرار.

تصريحات كلافيخو لم تأتِ في فراغ، بل في لحظة إقليمية ودولية تتسم بإعادة ترتيب الأولويات، حيث أصبحت قضايا الأمن الطاقي والهجرة والتكامل الاقتصادي عوامل ضاغطة تدفع نحو البحث عن حلول عملية للنزاعات المزمنة.

وفي هذا السياق، ينظر إلى مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب كأرضية قابلة للبناء، ليس فقط لأنه يحظى بدعم متزايد داخل العواصم الغربية، بل لأنه ينسجم مع متطلبات الاستقرار في فضاء جغرافي حساس يربط أوروبا بإفريقيا.

اللافت في هذا الموقف أنه يصدر عن كيان جهوي يتمتع بخصوصية جغرافية واستراتيجية، حيث تشكل جزر الكناري نقطة تماس مباشرة مع الساحل الإفريقي، وهو ما يجعل استقرار الجنوب المغربي، بما في ذلك الأقاليم الصحراوية، مسألة ذات تأثير مباشر على المصالح الاقتصادية والأمنية للجزر.

من هنا، يمكن قراءة دعم حكومة الكناري كموقف براغماتي نابع من إدراك عميق لترابط المصالح، وليس مجرد امتثال لخط مدريد الرسمي.

الندوة الصحفية التي جمعت كلافيخو برئيس جهة سوس ماسة كريم أشنكلي تعكس بدورها انتقال العلاقات المغربية الإسبانية من مستوى الدبلوماسية التقليدية إلى مستوى التعاون الترابي والجهوي، حيث أصبحت الجهات فاعلاً أساسياً في بناء الشراكات الاقتصادية.

هذا التحول يعزز من حضور المقاربة الاقتصادية كرافعة لتثبيت المواقف السياسية، إذ يصعب فصل الدعم السياسي عن حجم المصالح المشتركة التي تتوسع يوماً بعد آخر.

ومن زاوية أوسع، يندرج هذا التطور ضمن مسار بدأ يتبلور منذ إعلان مدريد دعمها الصريح للمبادرة المغربية، وهو الموقف الذي تم تعزيزه خلال الاجتماعات الثنائية رفيعة المستوى، حيث أكدت إسبانيا أن الحل الواقعي لهذا النزاع يمر عبر صيغة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

هذا التحول لم يكن معزولاً، بل جاء نتيجة قراءة استراتيجية لمحيط إقليمي مضطرب، ورغبة في بناء شراكة مستقرة مع الرباط تقوم على الثقة والتكامل.

كما أن استحضار كلافيخو لزياراته المتعددة إلى المغرب يكشف عن عمق الروابط التي تتجاوز الإطار الرسمي، لتشمل شبكات من التعاون الاقتصادي والإنساني.

فالمبادرات المشتركة، من بعثات تجارية إلى مشاريع في مجالات الاقتصاد الأزرق والسياحة وتدبير الموارد المائية، تؤكد أن العلاقة بين الطرفين لم تعد رهينة الظرفية السياسية، بل أصبحت قائمة على مصالح متداخلة تفرض نوعاً من الاستقرار في المواقف.

في هذا السياق، يبرز عامل التنافسية الاقتصادية كعنصر حاسم في تفسير هذا الدعم، إذ إن جزر الكناري، بحكم موقعها كبوابة نحو إفريقيا، ترى في المغرب شريكاً استراتيجياً يمكن أن يعزز من مكانتها كمركز لوجستي وتجاري.

ومن هنا، فإن دعم المبادرة المغربية لا ينفصل عن الرغبة في تأمين بيئة إقليمية مستقرة تتيح تدفق الاستثمارات وتوسيع مجالات التعاون.

وبالعودة إلى البعد الدولي، فإن هذا الموقف يندرج ضمن موجة أوسع من الاعترافات والدعم للمبادرة المغربية، ما يعكس تحولا تدريجياً في مقاربة المجتمع الدولي لهذا النزاع، من البحث عن حلول مثالية إلى تبني حلول ممكنة.

فالمعادلة لم تعد قائمة على منطق الحسم، بل على منطق التسوية القابلة للتطبيق، وهو ما يفسر تزايد عدد الدول والجهات التي تعلن دعمها للمقترح المغربي.

ولا يمكن قراءة موقف حكومة جزر الكناري بمعزل عن هذا السياق المركب، فهو يعكس تداخلاً بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، ويؤشر على مرحلة جديدة في مسار النزاع، حيث تتقدم المقاربات الواقعية على حساب الطروحات التقليدية.

وبينما يستمر الجدل السياسي حول الملف، يبدو أن ميزان المصالح بدأ يميل بشكل متزايد نحو دعم الحلول التي تضمن الاستقرار وتفتح آفاق التعاون، وهو ما يجعل المبادرة المغربية تترسخ تدريجياً كخيار مفضل لدى عدد متنامٍ من الفاعلين الدوليين.

https://anbaaexpress.ma/fqrz7

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى