في تصريح خاص لأنباء إكسبريس، قدم المفكر الإنساني السوري المقيم في كندا خالص جلبي قراءة عميقة للأحداث الجارية، واضعا الحرب في إطارها الإنساني الأشمل، بعيدا عن الحسابات العسكرية الضيقة أو الشعارات السياسية التي تُسوّق لفكرة “النصر”.
وأكد جلبي أن الحرب، في جوهرها، لا يمكن اختزالها إلا في ثلاث كلمات كبرى: “جشع، دماء، وندم”، موضحًا أن البداية تكون دائمًا مدفوعة بشهوة السيطرة أو وهم القوة، ثم تتحول إلى ساحة مفتوحة للقتل والدمار، لتنتهي غالبًا بحالة من التوبة المتأخرة، إن بقي للعقل مكان في خضم هذا الجنون.
ويرى المفكر السوري أن الحديث عن “رابح” في أي حرب هو تضليل للوعي، لأن الخاسر الحقيقي والدائم هو الإنسان ذاته، بل الإنسانية جمعاء، التي تدفع ثمن النزاعات من دمائها وقيمها ومستقبلها.
فالحروب، بحسب تعبيره، ليست سوى تجلٍ للوحشية والتخلف، مهما حاولت الدول تغليفها بشعارات السيادة أو الأمن.
وفي تحليله للصراع الراهن، شدد جلبي على أن إيران ليست كغيرها من النماذج التي سقطت سريعًا في التاريخ الحديث، معتبرًا أن المجتمع الإيراني يمتلك خصوصية ثقافية وتاريخية، تجمع بين النزعة الاستشهادية والعمق الحضاري، إلى جانب مستوى معتبر من التطور العلمي والتكنولوجي، ما يجعل أي مواجهة معه معقدة ومكلفة.
وأضاف أن مثل هذه الحروب غالبًا ما تنتهي دون حسم حقيقي، بعد أن “يتوجع الجميع”، على حد وصفه، مشيرًا إلى أن الطرفين قد يعلنان النصر في النهاية، بينما الحقيقة أن كليهما يكون قد دفع ثمنًا باهظًا من الخسائر البشرية والمادية.
ورجّح جلبي أن تمتد المواجهة لأسابيع أو أشهر، لكنها ستتوقف في النهاية تحت ضغط الكلفة الإنسانية والعسكرية.
وفي سياق أوسع، ربط جلبي ما يحدث اليوم بصراعات تاريخية عميقة، مشبهًا إياه بالصراع البيزنطي الفارسي القديم، الذي استحضره القرآن في سورة “الروم”، في إشارة إلى دورات الغلبة والهزيمة التي تتكرر عبر التاريخ، دون أن تغيّر من طبيعة الصراع الإنساني ذاته.
كما حذر من الانزلاق نحو مواجهة تكنولوجية مفتوحة، معتبرًا أن العالم يعيش اليوم على حافة “الهاوية الحرجة”، حيث يمكن لأي تصعيد غير محسوب أن يقود إلى كارثة كبرى، خاصة في ظل تعدد الأطراف الدولية وتداخل مصالح القوى الكبرى.
ولم يستبعد جلبي، في إطار تحليله، سيناريوهات التصعيد الخطير، مشيرًا إلى أن منطق الردع المتبادل قد يفتح الباب أمام احتمالات غير متوقعة، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الجميع يدرك خطورة تجاوز الخطوط الحمراء، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسلحة الدمار الشامل.
واستعاد المفكر الإنساني قصة رمزية لتبسيط فكرته، تتحدث عن ديك انتصر في معركة صغيرة، فراح يتباهى بانتصاره، قبل أن ينقض عليه نسر ويجعله طعامًا لفراخه، في إشارة إلى أن الغرور بالقوة قد يكون بداية السقوط، وأن الاحتفال بالعنف لا يقود إلا إلى عنف أكبر.
وختم جلبي تصريحه بالتأكيد على أن الحروب، مهما بدت مبررة في لحظتها، تظل فعلًا عبثيًا في ميزان التاريخ، لأنها تعيد إنتاج الألم دون أن تحل جذور الأزمات، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للعقل والحكمة قبل أن تدفع البشرية ثمنًا لا يمكن تعويضه.




