تقاريردوليسياسة
أخر الأخبار

حرب الظل على حدود آسيا الوسطى.. تصعيد باكستاني أفغاني ينذر بانفجار إقليمي صامت

رغم خطورة هذه التطورات، يظل هذا الصراع بعيداً عن دائرة الضوء الإعلامي، ما يقلل من فرص التدخل الدبلوماسي الفاعل، ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو أخطاء حسابية قد تكون مكلفة

تتحول الحدود الفاصلة بين باكستان وأفغانستان تدريجياً إلى واحدة من أكثر بؤر التوتر خطورة في العالم، رغم غيابها شبه الكامل عن واجهة الاهتمام الدولي.

ففي وقت تنشغل فيه العواصم الكبرى بحرب الحرب الروسية الأوكرانية والتصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، تتشكل على تخوم آسيا الوسطى معادلة صراع جديدة تتسم بالغموض والتعقيد.

التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال التوتر من مناوشات حدودية متفرقة إلى مواجهات أكثر حدة، حيث نفذت القوات الباكستانية ضربات جوية داخل الأراضي الأفغانية، مبررة ذلك باستهداف مواقع تابعة لتنظيم تحريك طالبان باكستان، الذي تتهمه إسلام آباد بتنفيذ هجمات انطلاقاً من الجانب الأفغاني.

في المقابل، اعتبرت السلطات في كابول هذه العمليات انتهاكاً مباشراً للسيادة، مؤكدة سقوط ضحايا مدنيين وتزايد موجات النزوح في المناطق الحدودية.

ويستند هذا التصعيد إلى خلفية تاريخية معقدة، تتمثل في الخلاف المزمن حول خط دوراند، الذي رسمته بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر. وبينما تعتبره باكستان حدوداً دولية معترفاً بها، ترفضه أفغانستان بوصفه إرثاً استعمارياً قسّم الامتداد القبلي للبشتون، ما أبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات التوتر الدائم.

عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021 أعادت صياغة هذا الملف، إذ لم تعد العلاقة بين الطرفين قائمة على دعم غير مباشر كما في السابق، بل تحولت إلى اختبار سياسي وأمني بين دولة تسعى لحماية استقرارها الداخلي، وسلطة أمر واقع تحاول تثبيت شرعيتها دون التفريط في تحالفاتها الأيديولوجية.

العامل الأكثر حساسية في هذا المشهد يتمثل في دور “طالبان باكستان”، التي تمثل تهديداً مباشراً لإسلام آباد، في ظل اتهامات متبادلة حول مدى قدرة أو رغبة طالبان الأفغانية في كبح نشاط هذا التنظيم. هذا التداخل خلق ما يشبه “حرباً داخل الحرب”، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع الروابط العقائدية.

ورغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية بين البلدين، إذ تمتلك باكستان جيشاً منظماً وترسانة متطورة، مقابل إمكانيات محدودة لدى الجانب الأفغاني، فإن التجارب السابقة أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن الحسم في الجغرافيا الأفغانية، التي لطالما شكلت بيئة معقدة لأي قوة خارجية.

ولا يقتصر تأثير هذا الصراع على طرفيه، بل يمتد إلى قوى إقليمية تراقب الوضع عن كثب. فـالصين، التي تستثمر بكثافة في مشاريع البنية التحتية داخل باكستان، تخشى من تداعيات عدم الاستقرار على مصالحها الاقتصادية، كما تبدي قلقاً من احتمال تسلل الجماعات المسلحة نحو إقليم شينجيانغ.

في المقابل، تنظر الهند إلى الأزمة من زاوية مختلفة، معتبرة أن أي إضعاف للقدرة الباكستانية قد ينعكس إيجاباً على توازناتها الإقليمية، وهو ما يفسر انفتاحها الحذر على كابول.

على المستوى الإنساني، تزداد كلفة هذا النزاع مع استمرار سقوط الضحايا المدنيين وتفاقم أوضاع النازحين، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية وأمنية. وتحذر منظمات دولية من موجات لجوء جديدة قد تضيف عبئاً إضافياً على محيط إقليمي يعاني من ضغوط متزايدة.

ورغم خطورة هذه التطورات، يظل هذا الصراع بعيداً عن دائرة الضوء الإعلامي، ما يقلل من فرص التدخل الدبلوماسي الفاعل، ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو أخطاء حسابية قد تكون مكلفة.

و لا يبدو أن المواجهة بين باكستان وأفغانستان تتجه نحو حسم قريب، بل نحو نمط من الصراع طويل الأمد، يقوم على ضربات محدودة وتوتر مستمر.

وفي ظل غياب تسوية سياسية واضحة، قد تتحول هذه الجبهة إلى واحدة من أخطر مناطق الاحتكاك الصامت في العالم، حيث تتراكم الأزمات بعيداً عن الأنظار، لكنها تحمل في طياتها تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية.

https://anbaaexpress.ma/s9rzq

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى