تقاريرسياسة
أخر الأخبار

المغرب بين توازنات واشنطن وبروكسل.. دبلوماسية الحياد الذكي في زمن التوترات

المغرب يراهن على ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية التوازن الذكي”، التي تقوم على استثمار التحولات الدولية دون الارتهان لها، وعلى تعزيز موقعه كشريك موثوق لدى مختلف الأطراف دون الانخراط في صراعاتها المباشرة

في سياق دولي مضطرب تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع رهانات النفوذ، يجد المغرب نفسه في قلب معادلة جيوسياسية دقيقة، تفرض عليه إعادة ضبط بوصلته الدبلوماسية دون التفريط في ثوابته الاستراتيجية، خاصة في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، وما رافقها من تباين حاد في المواقف بين الولايات المتحدة وإسبانيا.

هذا الوضع المعقد، الذي يختلط فيه العسكري بالاقتصادي، والسياسي بالأمني، دفع الرباط إلى اعتماد مقاربة قائمة على التوازن الحذر، بما يضمن استمرار شراكاتها مع مختلف القوى الدولية دون الانخراط في صراعات المحاور أو الانجرار إلى مواقف تصادمية قد تكلفها أثماناً استراتيجية على المدى البعيد.

فالمغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة موقعاً متقدماً كشريك موثوق لواشنطن، خاصة بعد الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، يدرك في الآن ذاته أن عمقه الاقتصادي والتجاري يظل مرتبطاً بشكل وثيق بالاتحاد الأوروبي، وعلى رأسه إسبانيا، ما يجعل من خيار الحياد النسبي ضرورة سياسية أكثر منه ترفا دبلوماسياً.

وتزداد حساسية هذا التوازن في ظل التوتر القائم بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز، عقب رفض مدريد استخدام قواعدها العسكرية في عمليات موجهة ضد إيران، وهو القرار الذي اعتبرته واشنطن مؤشراً على تراجع الالتزام الإسباني تجاه أولويات التحالف الأطلسي.

هذا الخلاف فتح الباب أمام تحركات أميركية لإعادة ترتيب شبكة شركائها في المنطقة، حيث برز المغرب كفاعل إقليمي قادر على لعب أدوار لوجستية وأمنية متقدمة، بفضل موقعه الجغرافي الاستراتيجي واستقراره السياسي وتطوره العسكري.

غير أن الرباط، ورغم إدراكها لحجم الفرص التي يتيحها هذا التحول، حرصت على تفادي الظهور كبديل مباشر لإسبانيا، مفضلة التموقع كشريك مكمل ضمن منظومة التحالفات، لا كطرف يسعى إلى استثمار التوترات أو تعميقها.

هذا التوجه يعكس وعياً مغربياً بطبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث لم يعد ممكناً الاعتماد على تحالفات أحادية أو رهانات ثابتة، بل باتت البراغماتية والانفتاح على تعدد الشركاء من أبرز محددات الفعل الدبلوماسي.

وفي هذا الإطار، عمل المغرب على تعزيز تعاونه العسكري والأمني مع الولايات المتحدة، دون أن يفرط في علاقاته الاقتصادية العميقة مع أوروبا، التي تظل الشريك التجاري الأول للمملكة، سواء من حيث الصادرات أو الاستثمارات.

كما يواصل لعب دور محوري في ضمان الاستقرار الإقليمي، سواء في منطقة الساحل أو في الضفة الجنوبية للمتوسط، ما يمنحه أوراق قوة إضافية في تعامله مع مختلف القوى الدولية.

وفي موازاة ذلك، برزت خلال الفترة الأخيرة نقاشات داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية حول احتمال إدراج مدينتي سبتة ومليلية ضمن الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالتوتر بين واشنطن ومدريد، وهو ما أثار نوعاً من القلق في إسبانيا، رغم غياب أي موقف رسمي أميركي يدعم هذا الطرح.

غير أن المغرب، في تعامله مع هذه التطورات، اختار نهجاً هادئا يتجنب التصعيد، مفضلا التركيز على تعزيز حضوره الدبلوماسي والاقتصادي بدل الانخراط في سجالات سياسية قد تعقد المشهد أكثر.

ويعكس هذا السلوك رغبة واضحة في الحفاظ على استقرار العلاقات مع الجار الشمالي، خاصة في ظل الترابط الاقتصادي والأمني بين البلدين، والذي يجعل من أي توتر محتمل عاملاً مؤثراً على توازنات المنطقة ككل.

 المغرب يراهن على ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية التوازن الذكي”، التي تقوم على استثمار التحولات الدولية دون الارتهان لها، وعلى تعزيز موقعه كشريك موثوق لدى مختلف الأطراف دون الانخراط في صراعاتها المباشرة.

هذه المقاربة، التي تجمع بين الحذر والبراغماتية، تمنح الرباط هامشاً واسعاً للمناورة في بيئة دولية متقلبة، وتتيح لها في الوقت ذاته تعزيز حضورها كقوة إقليمية صاعدة قادرة على التكيف مع مختلف السيناريوهات.

وبين ضغوط واشنطن وحسابات بروكسل، يواصل المغرب رسم مساره الخاص، مستنداً إلى مزيج من الاستقرار الداخلي والانفتاح الخارجي، في محاولة لترسيخ موقعه كحلقة وصل بين الضفتين، لا كطرف في صراعاتهما.

https://anbaaexpress.ma/jjfu0

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى