في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت تحذيرات لافتة من داخل جبهة البوليساريو نفسها، تعكس حالة قلق داخلي من تداعيات الانخراط في هذه الحرب على مستوى الخطاب الرقمي في ظل الخطوات الحثيثة التي قام بها نواب امريكيين من مجلسي النواب والشيوخ لتوصيف البوليساريو كمنظمة أرهابية متحالفة مع ايران.
وفي هذا السياق، نشر أحد أبرز قيادات الجبهة، أُبي بشرايا البشير، تدوينة جاء فيها: “وجب التنبيه.. على المدونين الوطنيين الصحراويين عموما، والمحسوبين على الجبهة (البوليساريو) خاصة، توخي الكثير من الحذر في التعامل مع الأحداث الجارية في الشرق الأوسط الآن، لأن الانجرار وراء ‘العاطفة’ في العالم الافتراضي، قد تدفع القضية الوطنية ثمنه باهظا على أرض الواقع..”
هذه الرسالة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها الفضاء الرقمي المرتبط بقضية الصحراء الغربية المغربية، ولا عن التداخل المتزايد بين السرديات المحلية والصراعات الجيوسياسية الكبرى.
أولاً: تصاعد غير مسبوق للخطاب المتقاطع بين البوليساريو وإيران
تشير المعطيات التحليلية إلى ظهور موجة رقمية ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، تتقاطع فيها سرديات مؤيدة لإيران، خطاب “محور المقاومة” ودعم أو تبرير لمواقف البوليساريو.
هذا التقاطع يعكس تحالفاً استراتيجيا، جزء كبير منه يتجلى عبر تقارب خطابيا صريح و وتوظيفاً سياسياً للأحداث الدولية حيث يتم إدماج قضية الصحراء ضمن سردية أوسع تقوم على معاداة الولايات المتحدة، رفض إسرائيل وتقديم النزاعات كصراع “تحرري” عالمي.
ثانياً: خريطة الانتشار الجغرافي للنشاط الرقمي
التحليل الاستقرائي للنشاط الرقمي يُظهر تمركزاً واضحاً في عدة فضاءات:
– النواة الأساسية: الجزائر ومحيط مخيمات تندوف تمثل المصدر الأكبر للمحتوى، بحكم القرب السياسي والتنظيمي.
– الامتداد الأوروبي: إسبانيا وفرنسا حيث تنشط شبكات تضامن تاريخية مع البوليساريو، إضافة إلى تيارات يسارية راديكالية.
– الدوائر العابرة للحدود: الشرق الأوسط، شبكات مؤيدة لإيران تفاعلات إيجابية مع تدوينات العناصر الموالية للبوليساريو وبعض الحركات في أمريكا اللاتينية لديها علاقاتهم الانفصاليين. وهنا يبرز تحول مهم حيث من قضية إقليمية إلى أداة ضمن صراع سرديات عالمي.
ثالثاً: طبيعة الخطاب – بين العاطفة والتوظيف السياسي
الخطاب الرقمي المرصود يتوزع بين عدة أنماط دعم مباشر لإيران باعتبارها “قوة مقاومة”، مهاجمة إسرائيل والولايات المتحدة مع ربط المملكة بمحور “التطبيع” عبر استحضار القضية الفلسطينية كمرآة للقضية الصحراوية
رابعاً: الانزلاق الاستراتيجي
التحذير الصادر من داخل الجبهة يعكس إدراكاً لمخاطر حقيقية، أبرزهاً تشويه صورة البوليساريو دولياً وربطها بخطابات أو محاور مثيرة للجدل قد بشرعيتها.
كما ان الخطاب يراد منه تفادي أن يكون أي محتوى غير محسوب لكي يُستخدم كدليل علىًانحيازات إيديولوجية خطيرة أو ارتباطات خارجية.
ختامًا: ما يحدث اليوم ليس مجرد تفاعل رقمي عابر، بل يعكس انسجام مواقف البوليساريو مع الصراعات الكبرى ومرآة للتقارب الجيوستراتيجي بين الجزائر – البوليساريو وإيران.
بل هو كان في البداية خياراً إعلامياً وضرورة استراتيجية قبل أن تفطن المخابرات الجزائرية بتداعياته السلبية على وضع الانفصاليين خصوصا لدى الولايات المتحدة الأمريكية وبصفة غير مباشرة لدى دول الخليج الداعمة أصلا لمغربية الصحراء.




