آراءثقافةسياسة

مفاهيم تأسيسية.. في الجهاد والقتال وحركات التحرير

وقعت الحركات الاسلامية بخطأها القاتل في مناجزة الانظمة بالقوة المسلحة كما دعا لذلك حسن البنا وسيد قطب تحت مفهوم القاعدة الصلبة الواعية

أرسل لي الأخ الجنابي من بورصا في تركيا يستفسر عن القتال الحاصل في غزة وأوكرانيا وعموم اشتعال الحروب في الأرض؟ وكيف يفهم دعوتي إلى العلم والسلم، التي أسست لها أكاديمية (العلم والسلم) على ثبج البحر الأخضر الالكتروني، ونظرا لأهمية جوابي مبللورا فقد رأيت أن البحث من الأهمية أن يعمم في أكثر من مقالة.

وأنا شخصيا أكتب في زاوية العلم والسلم منذ نصف قرن، فكيف نفهم السلم وآيات القتال في القرآن واضحة.؟ (كتب عليكم القتال ـ ومالكم لاتقاتلون في سبيل الله؟) واختصر جوابي للقاريء كي تتشكل عنده بانوراما للمسألة.

أولا الجهاد هو غير القتال.

تأمل الآية من آخر سورة العنكبوت (69): والذين حاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين. أو الاية الموجودة في سورة الفرقان (52): فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا. أو الآية الموجودة في أول سورة العنكبوت (6) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين.

أما القتال فقد شرع في الاسلام بالنص القرآني: كتب عليكم القتال (البقرة 216). تماما مثل كتب عليكم الصيام (البقرة 183) أو الآية الموجودة في آخر سورة التوبة (يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون (التوبة 111).

وهكذا يجب التفريق بين الجهاد والقتال. الجهاد يعني استفراغ الجهد لتمثل الاسلام فكريا وافرازه سلوكيا. أما النزاعات الفردية فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف ويجب ان يدافع الانسان عن نفسه ان لم يكن من مهرب الا الاقتتال، فمن قتل دون عرضه فهو شهيد.

أما العمل السياسي في دولة فشيء مختلف، ويجب أن يكون في تنظيم علني بدون سرية وتسلح وعمل في الظلام، وفيه وقعت الحركات الاسلامية بخطأها القاتل في مناجزة الانظمة بالقوة المسلحة، كما دعا لذلك حسن البنا وسيد قطب تحت مفهوم القاعدة الصلبة الواعية.

ولو تبنوا الخيار السلمي والمقاومة اللاعنفية ضمن نسيج الدولة القطرية لوصلوا الى نتائج مباركة كما فعل نجم الدين اربكان في تركيا وكما دعا الى ذلك طويلا سعيد النورسي الكردي التركي وجودت سعيد الشركسي.

وأنا على نفس المنهج. ووضحت هذا في كتابي (في النقد الذاتي وضرورة النقد الذاتي للحركات الإسلامية) ومن استفاد من كتابي بشكل خاص هم المغاربة فنجوا من المحرقة الشامية.

وفي هذا ينفعنا مانصح به يسوع الناصري بطرس حين أراد الدفاع عنه فاستل السيف فقال يابطرس أغمد سيفك لأنه مكتوب من أخذ السيف بالسيف يهلك.

هكذا فعل رسول الرحمة ص في الدعوة بدون قتال في استراتيجية واضحة كما جاء في الآية (وكفوا أيديكم) من سورة النساء (77) لتنتهي الآية بشكل واضح على المرحلية في الدعوة وبناء الدولة بقوله من الآية (فلما كتب عليهم القتال).

وحين نفض رسول الرحمة يده من صخور مكة كما وصفهم الرحمن (قل كونوا حجارة أو حديدا) لاحت في الأفق فكرة الهجرة إلى مدينة عم فيها النزاع القبلي ليتحولوا إلى شيء جديد اسمهم الانصار بدون نزاع بل أخوة ومحبة تحت مظلة الإسلام، وهكذا ولدت فكرة المجتمع الأسلامي والنظام السياسي الجديد الدولة حين قال الانصار: تعال فاحكم بنا وعلينا.

وحين فكر البعض في الانتقام وهم في الحج فقال البعض بتعبير (فلنمل على أهل منى بأسيافنا) كان جواب الرجل الاستراتجيي محمد (ص) لم نؤمر بقتال بعد؟

ثم كانت الهجرة حيث اصبحت تحت يده آلة العنف التي هي من اختصاص الدولة عندها شن 23 غزوة وارسل 83 سرية في عشر سنوات في ديناميكية لم تعهدها جزيرة العرب.

وبقي النزاع متواصلا حتى اتفق المشركون ويهود الجزيرة على إنهاء أمر الرجل؟ نقرأ ذلك واضحا في سورة الأحزاب. وكلمة الأحزاب تعطيك الفكرة عن حجم وطبيعة التجمع. ومن يقرأ سورة الأحزاب يعرف أنها حرب النهاية فإما انتهى محمد (ص) ومن معه في مجزرة جماعية كما يحدث ونحن نكتب هذه الكلمات في شتاء 2023 عن مصير أهل غزة.

وإما انكسر الميزان في جزيرة الأعراب وهو ماتفطن له رسول الرحمة حين قام بمعاقبة الخونة من يهود قريظة كما حصل في محاكمات نورمبيرغ لمجرمي الحرب النازيين عام 1946م، وليقول الآن نغزوهم ولا يغزونا وهو ماحصل لاحقا في فتح مكة ثم الزحف باتجاه الشمال في سرية مؤتة وغزوة تبوك خلدت في القرآن في سورة كاملة هي سورة التوبة.

وسر هذا التحول هو نقل روح العدالة الى الأرض، فالجهاد بشقه المسلح لم يشرع لنشر الإسلام بل لوضع اليد مع أية قوة عادلة أخرى لرفع الظلم عن الإنسان أينما كان ومهما دان. وهو ماصرح به رسول الرحمة (ص) عن حلف الفضول لرفع الظلم عن الناس فقال لو دعيت له في الإسلام لأجبت.

وقد انتبه لذلك المؤرخ الألماني أوسفالد شبنجلر في كتابه (سقوط الغرب) وكذلك توينبي المؤرخ البريطاني حين قال أن حروب الشرق الأوسط لم تكن حربا بمعنى حروب العصور القديمة بل كنسا لأنقاض حضارتين محطميتن بعد النزاع البيزنطي الفارسي في القرن السابع الميلادي كما خلدتها سورة الروم (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين). فجاء نصر هرقل واسترد الصليب من الفرس.

وحدث ماذكره القرآن بالضبط في بضع سنين.

في النهاية منح الإسلام المخالفين مائة يوم ويزيد بقوله (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) للدخول في سلام الدولة وامان المجتمع، والا فمطاردتهم كمفسدين ومخربين فيقتلون حيثما ثقفوا فهم نجس في بحر من النظافة.

هكذا يجب ان تفهم سورة التوبة. في حروب القبائل العربية الممتدة من قصص بئيسة من نموذج داحس والغبراء والبسوس والزير وجساس وكليب؟ كما خلدها شاعرهم (وأحيانا على بكر أخينا إذا مالم نجد إلا أخانا).

الدولة إذن تحتكر العنف وتقوم بارساء السلام والامن الداخليين ثم الدفاع عن هذا الكيان بالقوة اذا هوجمت بالقوة؛ فان جنحوا للسلم فاجنح لها. فهذه هي فلسفة قيام الدول وقيام الدولة الاسلامية العادلة.

ومنه جاء التوحيد ليقول دولة من الداخل عادلة ومن الخارج تعاون لإزالة الظلم في العالم. وظيفة الدولة ليست ممارسة الطغيان الداخلي لتصل الى حروب التمدد الخارجية. فهذه هي لب دعوة الأنبياء بقول لا إله إلا الله.

ومنه كانت دعوة الرسل سياسية مفعمة بالعذاب لإرساء العدالة الأرضية ولم تكن فلسفة تيولوجية. التوحيد هو مجتمع يقوم على الفكرة، مقابل مجتمع الوثنية الذي يقوم على قهر الإنسان واحتكار القوة لتعبيد البشر للحاكم، كما واجه موسى فرعون حين منّ عليه ألم نربك فينا وليدا؟ بقوله وتلك نعمة تمنها عليّ أن عبّدت بني إسرائيل.

كل الأنبياء والرسل جاؤوا بنفس المنطق كما يؤكد القرآن على ذلك في صيغة مكررة لكل الأنبياء. أنزلنا التوراة فيها هدى ونور. وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور.

حاليا يوجد شبه عدالة في بعض دول العالم الاسلامي اما الاغلبية فهي دول استبدادية قاهرة يجب إصلاحها بالطرق السلمية بالنفس الطويل. قد يمتد من ربع قرن أو ثلاثين سنة إذا توفرت الشروط، وهو النموذج المثالي الذي نجح به رسول الرحمة (ص) في 23 عاما.

وقد يطول إلى ثلاثة أجيال كما حصل مع موسى وقصة التيه أربعين سنة. وقد يغلق الباب كما حصل مع نوح فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. أو أتباع يسوع حين نفضوا أيديهم من القدس وبشروا في روما فتحولت روما.

وايانا ووضع نجاسة السلاح في ايدينا فنتنجس فهذه كما نرى اربع مستويات لفهم الجهاد – القتال المسلح – القتال الفردي- بناء الدولة بالطرق السلمية لتضع الدولة العادلة يدها على القوة المجردة (العارية أو شبهها من دعاية واقتصاد) ماسماها ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني وبرتراند راسل احتكار العنف. كما نراها في الشرطي يتدلى من خصره المسدس في صورة واضحة لمعنى احتكار العنف في الدولة.

أمام هذه البانوراما اين نضع حركات التحرر الوطني في فيتنام وفلسطين وامريكا الجنوبية بل وحتى قيام امريكا في وجه الحكم البريطاني؟ هنا يجب عدم خلط الامور بين عمل الانبياء الثلاثي = بناء البوصلة الأخلاقية عند الفرد، وصولا الى المجتمع الراشد العادل، وصولا الى السلام الكوني العادل على ماحرره الفيلسوف إيمانويل كانط في كتابه نحو السلام الابدي وهو ماسوف يصل له الجنس البشري مضطرا والا امامه الفناء.

لذا نحن مع كل حركات التحرر أينما كانت مسلمة أو غير مسلمة من المظلومين في ظل قيادات نظيفة وخلفها شعب لها ظهير.

وطول نفس في كفاح يصل إلى تحرر الإنسان وبناء المجتمع العادل وهو أعظم التحدي. فليس العبرة بإزاحة فرعون وتنصيب فرعون جديد محله فهنا التحدي الأعظم.

فهذه بانوراما عامة يجب أن نضعها امامنا خريطة طريق.

https://anbaaexpress.ma/02imo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى