آراءثقافة

الفلسفة ضدّ الخداع بالفلسفة

الفلسفة ليس تنزيلا لمقولات بل ارتقاء بالمقولة وقدرة فائقة على تجاوزها بعنف التفكير وجاذبية المعنى..

– يجد النّضال بالمراسلة مرجعيته في الكتب الصفراء، بنفخ الأوداج التي تسببها بلهارسيا تاريخٍ هواءٍ، بالخوف من المؤرخ الذي يرصد كرونولوجيا تحوّل الإيماءات وتاريخ السّرقات، بالتّسقرط الأصفر والتنكر ليديونيزوس..من كان يكفر بالحسن والقبح العقليين، ما علاقته بالعقل الهيليني؟ أيتها العير إنكم لسارقون.

– من السهولة بمكان التزحلق في جليد التنوير، ما التنوير؟ لن أجيب كانطيا. لكن من لم يدرك جدل التنوير سيُعانق العتمة. نورية التنوير عارضة وليست ذاتية له، في غياب القابل، نتحدث عن تنوير (تفعيل) وليس عن نور، ما يمنح اللحظة نوريتها هو جُماع الشروط التّاريخية التي تكشف عنها بنية في حالة تخارج، يلعب فيها الإنسان دور المستفزّ.

– إن كنّا سنستعير من شذرات نيتشه جملة أنّ الفلسفة علاج، فلا بدّ من التوقف عند الأقانيم التي جعلت العقل السقراطي يختزل الحياة ويقمع التراجيديا.

سخر نيتشه من العقل الاختزالي السقراطي وانتصر لديونزوس، حين كانت الفلسفة تؤمن بالشعر قبل أن يطرده فلاطون من جمهوريته بحكم عام، حين كان علم النفس مسندا للفلسفة رواقيا، فكان العلاج من هناك يأتي وليس من المقولة.

الفلسفة علاج برسم ذاك الميراث، الحياة،والوجود، ومتاخمة العقل لآخره، للميتوس المتولد من رحم اللوغوس والعكس. كانت الفلسفة علاجا لأمراض الفصام والذُّهان، والرغبة في التضليل.

– أين تشكل خيالهم؟ أهيم في تلك الدّيار، فلا أثر لـ(pif) ولا لـ(zagor) ولا لـ(ombrax) ولا لـ(le petit ranger)…طفولة موؤودة تحت أنقاض أساطير فقدت جمالية الحبك وبلاغة الإقناع. أسمع من يقول: درسوا أبناءكم الفلسفة. ما هذه الجريمة؟ من قال أنّ الطفل ليس فيلسوفا؟ حين يُترك الطفل لتأمّلاته فهو فيلسوف بالفعل وليس فقط بالقوة.

ما الفلسفة إلاّ محاولة لاسترجاع مدارك الطفولة وخيالها الشكل القديم لإبادة الأطفال، تخريب تساؤلاتهم الخارقة للبداهة. الفكر الذي يسقط سهوا فوق الرؤوس، كقنينة الكولا في فيلم الآلهة تسقط فوق الرؤوس، ينتهي إلى كارثة. إنّني أخشى أن تخترق التفاهة حدود الفلسفة.

ليست الفلسفة استذكارا لقواعدها، بل هي تأمّل حرّ يأخذ بعين الاعتبار تاريخها ومبلغها من العلم. إن كان نيتشه نعى العقل العلمي بالمعنى السقراطي، فلأننا اليوم فقط اليوم، ندرك أنّ المقاولة العلمية، والعهدة على فيراباند، تكمن في إعادة تفكير المقولة، أو هي بوبريا مساءلة دائمة وتخطيئ موصول للنظرية. نصبح علماء حين نكتسب قدرة نخل الفرضية نخلا، ومداهمة النظرية حدّ الغثيان، لا شيء يستمر مُسْتَبْدَهاً هنا.

إنّ تهجّي الفلسفة من خلال كنانيشها الأولى، قد يصبح عائقا أمام التفكير الحرّ. الفلسفة ليس تنزيلا لمقولات، بل ارتقاء بالمقولة، وقدرة فائقة على تجاوزها بعنف التفكير وجاذبية المعنى.

– طُغيان الشعبوية بلغ الذروة. صحيح أنّ السوق كان مسرحا لتسويق خطاب الحكمة، لكن صناعة الحكمة كانت بعيدة عن السوق. الآغورا مجال لتصريف مخرجات تأمّلات الليل، لا يمكن أن تكون الفلسفة سوقية، من قال أنّ تقاسم مفاهيمها التي أكلتها عوامل التعرية، كافي لمواصلة فكر الفيلسوف ومحنته؟ السوق في اليونان هو كلّ شيء، لا مجال للراحة والعطل. فكل شيء يتم بإرهاق ومع بعضه، بمقتضى تدبير العقل والمدينة.

– من ركب اليوم حمارا في أعالي المداشر، وسجّل زغرودة الأهالي في كُناش مهترئ، أصبح أنثربولوجيا؟ من استنور في الوقت بدل الضائع وغفلة من أولي العزم من المثقفين، بات تنويريا. العالم في انهيار، وكل شيء يجري تحت أنظار المثقف والأمم المتحدة. هذا زمن استغفال العقل والضمير والمشاعر، والضّحية بقية كناديد الأمم ودهمائها، أين المفر؟

– لو أخذنا المجال العام عند هابرماس بجدّية، وآثرنا النقاش العمومي في شروطه التي تعيدنا إلى جوهر العلاقة بين القوة والمعرفة، إلى إعادة الإنتاج، سنواجه تحدّيا كبيرا. حتى المجال العام بمدلوله البورجوازي اختفى، ليحلّ محله المجال المتدنّي، مجال الحرافيش، مجال يصول فيه المؤثّر البهلوان، مجال هو حقا غريب من نوعه، مجال التكرار والتفركيس.

https://anbaaexpress.ma/kirma

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي ، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى