آراءثقافة

العبودية المقنعة.. عُصاب العصر وميلاد عهد الزّومبي

يبدو أنّ عصرنا هو التعويض المتطرف عن العصر العبودي، التعويض الذي يحمل علامة العُصاب الجماعي. فالحرّية، وهي العنوان المركزي لعهد التنوير والثورة الحقوقية، لم تتحرّر من وضعية العُصاب الموروث من ذلك العهد عبر اللاّوعي الجمعي. لقد تجاوزت الحرية كمفهوم ملتبس اليوم حتّى حدود القانون الأخلاقي الكانطي وآباء التنوير، بل هي اليوم تتهدّد العقد الاجتماعي.

ليست الحرية في ذاتها سببا في انهيار هيكل المعنى والماهية الإنسانية لعصر ما فتئ يتهاوى نحو العدمية، بل السبب يعود إلى الجوهر الكامن داخل هذا النداء، أي المشاعر المندلقة من العصر العبودي، والتي تجعل الحرية في عصرنا تأخذ معنى انتفاضة العبيد.

تجاوز هذا الاندحار كلّ الحدود، لكنّه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يخفي العبودية الكامنة خلف عُصاب التحرر الزّائف، حيث كلّ شيء أيضا بات خاضعا للرّقابة. فالإنسان بالمعنى الجديد، بل حتى بالمعنى المابعد-إنساني، ليس كائنا فائقا، بل هو خاضع أكثر من أي طور تاريخي مضى.

إنّ شعار دعه يعمل، دعه يمر التي قامت على أساسها ثورات القرن التاسع عشر في أور وبا، هي واحد من أكبر الأكاذيب، التي جعلت الإنسان كائن في وضعية خضوع كامل ورقابة مطلقة. إنّها العبودية في الطور الإمبريالي، الذي جعلت عبيد العصر، بخلاف باقي العصور، ينتجون أبعادا إستثيقية لعبوديته. عبودية جماعية متصالحة مع عبوديتها، لكن ما هو مُفارق هنا، أنّها تكتسي مظاهر الحرية الفُرجوية.

تبدو مظاهر الكلبنة الجديدة، أي الاختيار الحرّ، تأكيدا على أنّ الإنسان المعاصر الذي لا زال عاجزا عن اكتساب حقوقه الكاملة من مستغليه، وعبد مُسخَّر لإنتاج فائض القيمة لغيره، يملك الحرية الكاملة، بل الحق الكامل في أن يختار أن يكون كلبا. ظاهرة الكلاب البشرية هي أبعد من حالة جنون، بل هي ظاهرة نموذجية لترويض البشرية على عهد التشكيك في الماهية، واستبدال المشاعر، تدشين مُثلث كوجيطو النذالة: أنا نذل، إذن أنا حرّ إذن أنا موجود.

يختار الإنسان المؤطّر بكامل حقوق الإنسان، إلاّ الحق في العدالة الاجتماعية وتقاسم الثروة والرفاهية، يختار حياته الكلبية طواعية، وينتج حولها ثقافة ورموزا. تتم هذه الحالة وفق تعاقد يحميه القضاء، وتنشط حوله حركة صناعية لوسائل إنتاج العمل، أي ما تتطلبه الحاجيات الاستهلاكية الجديدة للكلاب البشرية.

فالوضعية الكلبية الجديدة هي مندمجة في دورة الإنتاج. إنّها الحرية في أن تتمرّد على الهوية البشرية، وتفرض هذا النمط على الاجتماع البشري. إنها ليست كلابا بشرية ضالة أو تسعى للعزلة، بل تريد أن تصبح جزء من الحياة الاجتماعية العامّة، ويُصبح لها مكانة في النظام التربوي القادم.

المسألة تتجاوز الانحطاط نفسه، إنّها الشكل الجديد للعبودية المحاطة بنوع من اللّعب بالمفاهيم وقواعد المعقول، مُغالطة تاريخية وحضارية، الثّابت فيها هو روح العبودية.

اليوم الحضارة الإنسانية جاوزت المدى، وتخلّت عن روح الفلسفة المُؤسِّسة والقانون الأخلاقي، ودخلت في متاهة عدمية. وهي تتحرك في إطار ميكانيكا القصور الذّاتي، الذي يعقبه التّيه والشرود. والغريب أنّ كلّ شيء هنا يتمّ عبر مُغالطة المقارنة، فنصبح تحت طائلة مشاعر الدّونية المانعة من تشخيص الظّواهر التاريخية والحضارية.

وفي خضوعنا للتقسيم الإمبريالي الجديد، يُصبح نقد عُصاب حضارتنا مشروعا من داخل الغرب، غير مشروع من الهامش، مع أنّ الهامش معنيّ بهذا المصير التاريخي والحضاري، لأنّه يقيم في عُلبة مصبّرات موصولة بخيط متين بجرّار المركز، والحديقة والمنجم والمزبلة الخلفية لمركز لا يقوم من دون هامش. فمقتضى إخراج التنظير الفلسفي من محلّيته وحصره الهامشي إلى العالمية، هو تأمّل المركز الذي خطى خطوة كبرى تجاهل معها منطلقه.

الشيء الذي أعبر عنه إكمالا للمقولة الماركسية: أنّ المجتمعات المتقدمة تكشف للمجتمعات المتخلفة عن صورة مستقبلها، أقول: وأيضا أن المجتمعات المتخلفة، تكشف للمجتمعات المتقدمة عن صورة ماضيها قبل المنعطف الفاوستي، كما أنّ الدولة المتقدمة تكشف للدول المتخلفة اليوم عن صورة انهيار نموذجها الرأسمالي.

هذا لا يعني أنّها تملك بديلا تبزّ به الغرب بالضرورة، بل تملك أن تشكل ذاكرة وضمير لانتصار الهامش الكبير (العالم الثالث) والهامش الصغير (الجبهة النقدية الجديدة)، لصالح حركة تصحيحية تاريخية، لإنقاذ الحضارة المعاصرة من رهانات الإمبريالية، وتحرير الإنسان المعاصرة من الميراث الشعوري الثقيل للعصر العبودي، ومنح الحكمة فرصة لتدبير شكل جديد من التعاقد (التعاقد) على منظورية جديدة تأخذ بعين الاعتبار آمال البشرية وانتظاراتها، واستئناف الرُّقيّ بالأسئلة الإنسانية الكبرى.

فمصير هذه الحركة التصحيحية معقّد، لأنّ الإمبريالية بأنماطها المختلفة تجتهد في إعاقة أي تشكّل لجبهة تاريخية تشمل العالم الثالث و”آخَر_الغرب” النقدي، فتعمل على إسناد التّطرّفات وسوء الفهم الكبير بين الثقافات كمقدمة لصدامها.

لقد تطورت الحضارة الإنسانية بشكل عُصابي، ولكنها عجزت عن تحقيق الحرية. فهذا الكلب البشري هو نفسه سيدخل إلى بيت الطّاعة ويخضع لقواعد اشتباك الصراع الطّبقي، بل وجب التذكير، بأنّ لجوء الإنسان الغربي إلى بعض من هذه الاختيارات، ليس بوازع التحرر، بل هروبا من شمولية السيطرة، وبحثا عن لحظة قصوى من التصالح مع عجزه في أن يكون إنسانا. إنّ الكلب البشري يهرب من مستحقات أن تكون إنسانا في نموذج حضاري أزموي، يتحكّم فيه الرأسمال وليس فلاسفته.

ويبدو العالم الثالث خارج هذه الفورة، المسافة التي تفصله عن المركز، والإنسان الثالثي والعربي في مقدمته، لا يملك حتى حرّية أن يكون كلبا ظاهرا، لأنّ الكلاب هنا لا تتمتع بحقوق الحيوان، وأنّ معظمها كلاب ضالّة ترعى على النفايات. لقد اختار بعضهم حياة الكلاب البشرية في أوربا، لأنّهم أدركوا أن كُلفة أن تكون كلبا في الغرب هي أهون من أن تكون إنسانا بلا محتوى. في العالم الثالث وشرطه المزرية، يكون وضع الإنسان هو وضع كلاب مُقنّعة.

من يتجاهل دور الإمبريالية في محاولة تغيير المادة والروح والمشاعر والأنماط، فلن يستطيع فهم ما يجري في العالم. هذا الهذيان ليس متاهة منفلتة، بل هو رؤية مسبقة وسياسة مُمنهجة.

ففي اجتماع خاضع للهيمنة والرأسمالية المتوحشة، لك أن تختار بين اثنية، لا محلّ فيها للإنسانية الحرة الكاملة كما حلمت بذلك الأنوار، بل لك أن تختار بين أن تكون عبدا جديدا بمواصفات العبودية المقنعة أو تكون كلبا متصالحا مع قدره الجديد في نظام رأسمالي غير آبه بمتطلّبات الأمن الماهوي للإنسان.

تكمن المُغالطة في ذلك الوهم الذي يرى أنّ بلوغنا المركز لكي نحظى بشرعية السؤال النقدي، هو ممكن في شروط التّبعية وسياسة الإخضاع الإمبريالي بلغته الإقتصاد-سياسية، والهيمنة الشمولية على قواعد التحرر السياسي والاقتصادي والثقافي. الغرب اليوم يحمي مركزه وتصنيفه مع صعود القوى الجديدة.

إنّ جدلية الشرق والغرب، ستعود بقوة إلى منصّات النّقاش الدّولي، وأعتقد أنّ هذا النقاش سيأخذ بعين الاعتبار ثقافة الشرق الأوسط من جهة وثقافة الشرق الأقصى بشكل كبير، جدل الاستشراق والاستغراب، فالعالم رغم كلّ هذا، يسير  موضوعيا وبمكر  التّاريخ، نحو كسر التخوم بين الثقافات، على أرضية جديدة تأخذ بعين الاعتبار شروط التوازن في القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

انفراج البنية الصُّلبة، وتزحزح صفائح الجغرافيا السياسية، لعالم منغلق على أوهامه حول مفهوم التقدم والحرية والإنسان.

https://anbaaexpress.ma/iavir

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى