
الاستخفاف بالمخيال في عملية التفكير هي أسوأ ما جاد به مخيال شقيّ حول العقل، بفعل صلابة الفلسفة الهيلينية، بقهر المقولات، وتجاوز الفلسفة لوظيفتها كتدبير للحيرة وليس كمنطق رياضي يعمل بوهم الاكتمال.
ففكرة اكتمال الرياضيات كاكتمال التاريخ الذي يعتبر ابتكارة أيديولوجيا للعصر الحديث، كانت خِطئا كبيرا.
فالعقل نفسه يُعرض كصورة ترتهن للخيال. حين يُصبح العقل موضوعا هو نفسه للوعي. لقد كانت اللحظة الفينومينولوجية منذ بواكرها الهيغلية واكتمالها الهوسرللّي، لحظة إنقاذ حقيقي لصورة العقل ومكانته ووظيفته، محاولة لن تكون بالضرورة مكتملة، لكنها حدست مسارب الانعتاق من المأزق الهيليني نفسه.
إنّ الوعي هو في نهاية المطاف وعي بشيء، فكيف يكون الوعي بالعقل؟ هل هو وعي بذاته الخالصة؟ إنّها لحظة في تشكّل الاستيعابية، أي لحظة تراجع البندول من أقصى اللوغوس-الوضعاني، إلى ملتقى التركيب الخلاّق.
ما أريد قوله هنا، هو أنّ الصراع حول العقل، لحظة التأرجح الكبير بين أقصى الميثوس وأقصى اللوغوس، هو بالأحرى صراع بين أشكال متخيّل العقل. حتى حينما نهرب في النزعة المادية للعقل، واختصاره في الدماغ، لا نفعل غير تخيل العقل في أقصى أثره المادي، في مادّية هي الأخرى تنزع إلى صور متنازعة، مادية عقلانية (انظروا أنها تتوقف على العقل) ومادية مثالية لا وجود لها في الواقع، مادية غير مادية. هذا التداني بالعقل إلى مادية صرف، هو استقالة من استحقاقات ومستويات الوعي الفينومينولوجي نفسه.
إنّ الخيال لحظة استقالته أيضا، يحمل صورة عن نفسه، وكل ذلك نتيجة تحلّل عناصر الوعي كمونادات مستقلة ومتجوهرة. لعل التفكير التعقيدي الذي ألهم غاستون باشلار اختيار الجوهر الكيميائي بديلا عن الجوهر الفلسفي هروبا من ثباته، وربما فرقا من بساطته الخالصة. الواقع مركب ومتفاعل.
في الرياضيات، يلعب التخييل دورا في الأعداد المركبة(les nombre complexes)، يسافر في التخييل ليؤدي وظيفة واقعية تنتج آثارا في الفيزياء نفسها. ليس التركيب نفيا لوظيفة المخيال، بل التعقيد يتوقف على المخيال، لكن بعد تحقيق السفرات التي تتيح للوعي استيعاب ما يحتويه الدماغ كشرط بيولوجي لكل تلك النشاطات، يحتل فيها العقل مساحة كما الخيال كما المشاعر كما اللّغو.
وهذا ما يؤكد أنّ العقل هو نفسه يعقل ولا يعقل، حينما يتحرر من معقول توافقي إلى آخر، لأنّ ما يبدو عقلا في لحظة تاريخية من نظام الخطاب، إن هو إلاّ تعاقل، أي تعاقد على نظام من المقولات، وحينما تصبح تلك المقولات ضدّ آخر-العقل(l autre de la raison)، يلجأ هذا الأخير، للإطاحة بوسائل الدحض، فيصبح العقل تحت طائلة وسلطة المقولات إيّاها بمثابة جنون.
ففي لحظة انعتاق من رواسب المقولات المتورمة، يؤدي العقل نفسه وظيفة الجنون، وتصبح الفلسفة أيضا ضربا من الـ(folisophia).
حتى الآن لا وجود لتعريفات حاسمة. التعريف المنطقي هو نفسه لن يبرح كونه إما تعريفا لغويا مقنّعا، أو تعريفا يتحدد بما تتيحه صور المخيال. كلما أدركنا صورة من العقل أو من المادة، أدركنا مستوى من التخييل: الخيال منتج الصور.
هل يا ترى يستغني الإنسان عن الصورة؟ إنّ تعقل الأشياء بما فيها الذهنية، لا يتحقق حتى تنشأ حوله صورة. الصورة تسبق التعقل، والخيال يسبق العقل ويحدد له مساره.
ينتج الخيال الصور ويتلقى الصور، فالخيال خلاّقا. فالمعضلة هي أنّنا لا زلنا ننظر إلى العقل كفعل خارج التركيب الذي يُطّره الوعي. ذلك المجنون الذي يدير حياته بقدر من المعقولية الخاصة، يرتهن لصورة من العقل تمت برمجتها في المتخيل. لا أحد يتهم المجنون بفقد الخيال.
تلعب الأيديولوجيا لحظة زيفها دورا في إعاقة الاستيعابية، فهي تهرب نحو التعريفات المبسطة للعقل، حيث لا يوجد من يستغني عن سلطة العقل، وما يبدو تخييليا هو ناتج عن طبيعة الصور التي تنتجها، إذ التخيل حاضر في كل مستويات الوعي. وحضوره في الوعي الزّائف، ليس مشكلة في الخيال، بل في وعي وظيفته وتدبير الصّور.
تعريف العقل على أساس كونه جوهرا أو فعلا أو غريزة، لا أهمية له إن أحسنا استيعاب لحظات الوعي وأقصاه في تملُّك الظّاهرات، وهو ما يتعيّن الوقوف عنده بمزيد من الاستبصار، فمن ظنّ أنّ التّعقل فعل مجرد عن التخييل فهو مخطئ لا محالة، والحقيقة تأتي بوعي التركيب.
إن أدركت ذلك، فاعلم أن لا فتنة أخسّ من الحجاج بعقل يعيش ذروة الإلتباس. دون أن يجري الحديث عن فدلكة العقل وعلاقته بالمخيال. ولقد طالت بجاحة الإنسان المعاصر، حتى تمطّط وهمه بأنّه أدرك خالص العقل وتمام الوعي ومنتهى التّاريخ. أمام هذا الإنسداد الذي مكّن للوعي الشّقي أن يسود، وتسود معه الفوضى، وينهار المعنى بل فكرة المعنى.
إنّه من تحت رماد هذا الانهيار العظيم للمعنى والعقل والفكر، تتهيّأ البشرية لانبعاث الحدس العظيم، الذي يحرّر الذهن البشري من تاريخانية الكاطيغورياس، من الانحباس الحراري للعصر الهيليني، لكل هذا الجمود الذي طالت حوله حيرة إنسان يعيش على حافة الرّدة البروميثيوسية، وغدا ستنبحه الكلاب البشرية، مُعلنة عصرا كلبيّا ليس على منحى ديوجانس الكلبي، بل على طريق اللّبرالية الزّوفيلية اللاّهثة، إنّها قصة العقل المُحاط بكل هذا الإطار الثقيل، لنتذكر قصة الكلب والذئب في قصيدة للافونتين، فبعد السردية كلها التي حملها الكلب للذئب كي يلتحق بعالمه بين النّاس، لفت انتباهه أثر السلاسل حول عنقه، فتاه الذئب في البراري ملتمسا حرّيته بدل حياة الكلب.
إنّ إطلاق العنان للعقل وتحريره ، هي الأخرى تتوقف على ثورة الخيال. متى يُحرر المتخيل العقل من أسره التاريخي المزمن؟



