
مع المفكّر العربي د. مصطفى حجازي
لا زالت السيكولوجيا العربية الجماعية سائبة في انقهارها وهدرها وحصرها. ذلك لأنّ العلاج النفسي إن فرديا أو جماعيّا ظلّ خارج الاعتبارات والتقاليد العربية. تنتفي الحاجة إلى التحليل النّفسي، لكأنّ الجسد النفسي العربي لا يحتمل المرض. وحتما هناك تكلفة لهذا التجاهل والتّسيّب بالمرض الجماعي خارج مقتضيات العلاج. لن تفيدنا مؤشّرات التخلف بمظهره الإقتصادي الصرف في تقريب معضلة الإنسان العربي، بل لا بدّ من البحث في الجذور النّفسية ومظاهرها. فإنسان التنمية هو أوّلا وقبل كلّ شيء إنسان يحتاج إلى تحرير طاقاته وتقويض قيوده لإخراجه من حالة القهر.
كان المفكر العربي د. مصطفى حجازي سبّاقا لتخصيص أبحاثه المبكرة في تحليل السيكولوجيا الجماعية العربية، منذ عالج سيكولوجيا الإنسان المقهور وثنّاها بتحليل سيكولوجيا الإنسان المهدور وثلّثها بعمل نفيس مكمّل أو هو نتاج العملين السابقين، والموسوم بإطلاق طاقات الحياة الإيجابية. فالقهر والهدر كلاهما قيّد الإنسان العربي وكبّل طاقاته.
ما يميز محاولة د. حجازي هو اختياره العمل الميداني، وارتباطه بالشرائح الاجتماعية وظواهر المجتمع، دون الاكتفاء بالتنظير. ليقدّم في نهاية المطاف ما يمكن اعتباره علم نفس باطني للذّات العربية. ومع أنّ تكوينه بليون الفرنسية، عزز خبرته في ظواهر الاجتماع النفسي العربي، إلاّ أنه دافع عن ضرورة تنزيل علم نفس يستجيب لمقتضيات وشروط كائننا العربي، خلافا لعلم النفس الغربي الذي تشكّل واستلهم خبرته من إنسان يعيش في شروط مجتمع صناعي يعيش على أنماط ووتيرة وتطلّبات ووشائج مختلفة.
التحليل النفسي والاجتماعي للذات العربية مع عالم النفس الاجتماعي د. حجازي يملؤ ثغرة لطالما تغاضى عنها المفكرون العرب. ولقد شعرت بتقارب كبير في وجهات النّظر، وزادني اطمئنانا دعمه لرؤيتي عن دراسة النخبة وقادة التفكير أنفسه باعتبارهم تعبيرا عن بنيات نفسية واجتماعية، وليسوا مجرد منتجين للأفكار بتجرّد. هذا لا يعني أنهم مخالفون للموضوعية، بل إنّهم أوفياء لبنياتهم بامتياز.
الكاتب مع المفكر العربي د. مصطفى حجازي
يمكن تصنيف محاولة د حجازي ضمن المقاربة المستقبلية، من حيث سعى عبر علم النفس الإيجابي إلى إطلاق الطاقات، وذلك لتحرير المستقبل العربي نفسه. كما يمكن تصنيفها ضمن المقاربات التربوية، لأنّها تفتح أفقا للذات العربية لكي تستعيد عافيتها الجماعية، وتقويض آثار الانقهار والهدر الذين هما سمة أساسية لهذه الذات الجماعية. كما يمكن تصنيفها ضمن المقاربات التنموية المناهضة للتخلّف.
قراءة الصديق الدكتور حجازي الفريدة، ليست وصفية أو تنظيرية أو حتّى نقدية تهدف إلى بثّ الإحباط والعدمية، ولا هي تنظيرية تدخل في إطار الدراسات الميتا-نفسية، بل هي بمثابة علاج للذات الجماعية يعزز فرص انعتاقها من أزمتها.
إنّه يفتح عيادته للذات الجماعية العربية، بهذا المعنى أيضا يمكن تصنيف المحاولة المذكورة كواحدة من المحاولات التحررية والثورية في المجال العربي.
د. مصطفى حجازي ابن صيدا العريقة، ابن مدينة مهنية وحرفية، لذلك، كان مهنيّا وصناعيا في إعادة نحت الذات العربية خارج الميراث القهري وسيكولوجيا الهدر. لقد خطر في بالي يوما أن أقتبس عنوانه في فصل من فصول كتابي: فيلو-كورونا، سمّيته: الإنسان المحجور، إنسان مهدور الطاقة، حبيس المكان، حيث توقّف زمانه وخلد إلى قهرية المكان.



