آراءثقافة

مشاريع تأويلية مُبهمة

الأنوار التي أضافت إلتباسا على التراث

نستطيع الحديث اليوم عن حالة هذيان تنتاب المشهد الفكري والثّقافي. حالة ناتجة عن تدهور البنية المعرفية وبروز فوضى خطاب لا يبشّر بانتقال أو قطيعة معرفية، بقدر ما يستمدّ سلطته من شروط النكبة والهشاشة الأيديولوجية. ثمة ثلاث سمات تميز الأيديولوجية الهشّة وتملي لها في اقتفاء طريق الوعي الشّقي، وهي:
1- فصل الأيديولوجيا عن المعرفة
2-أيديولوجيا مستعارة خارج عن الشروط التاريخية
3-أيديولوجيا تفتقد الجدية والنجاعة في إحداث التغيير

تتصيّد الأيديولوجيا الهشّة ما ليس موضوعا للتجديد، تقف عند الأطلال، تقرأ التاريخ قراءة غير تاريخية، تُعيد إنتاج التنوير بأدوات ملتبسة ومفاهيم تنتمي لماضي التنوير، وأحيانا هي عودة إلى ظلمات الأنوار التي فرضت الحاجة إلى ضرب من التجاوز حسب ماكس هوركيمر أو تفكيك هذا الخداع الظلامي خلف الأنوار كما ذهب آخرون، ليس آخرهم رجيس دوبريه وادغار موران. ألا ترى أنّ الأنوار إن زادت عن الحدّ تحوّلت إلى حاجب للحقيقة؟ أليس هناك لعبة أنوار تلازم كلّ عمل مسرحي؟!

يعدنا الباحث التونسي يوسف الصديق  هذه الأيام بمحاضرة تحت عنوان: أربعة عشر قرنا من الأكاذيب. وسنعود دائما إلى خدعة الأنوار، وإلى تكرار ما نقضه مصلحون في حينها وفي عين المكان.

أربعة عشر قرنا من الأكاذيب لم يصدق منها سوى يوسف الصديق. هل يا ترى هو حالة فارقة؟ هل هو استثناء، أم جزء من هذا التاريخ؟ لا يملك هذا النّمط أن يكشف عن أكاذيب عصرنا الحديث، كما لا شيء يمنع نقدا أيديولوجيا ديماغوجيا أن يعترف بأنّ 14 قرنا هي تاريخ مزيج، فيه تفوق وفيه انحطاط، في أكاذيب وفيه صدق، كما هي حضارتنا المعاصرة.

يرغمنا رواد هذا النمط النقدوي، على تجاهل النسق، والتركيز على حوادث غير تاريخية، نهم هائمون في اختزالية لاتاريخية، في إسقاطات وعنتريات، تخونها المقاصد التحررية الحقيقية، ويخونها العلم، لأنّها  لا تخلوا من تهريج، فالتعامل هنا مع المحلّي كما لو أنّه خارج النّسق، هو استغلال للنكبة، استناد إلى الصورة النمطية. ما هي الواقعية، ما هو العلم، ما هي مصداقية هذا الصبيب الديماغوجي؟

في كل فضاء متاح للنقاش العمومي يوجد نصيب من هذا الجدل الذي يبدو لي عقيما في بنيته المعرفية ومقاصده الأيديولوجية. وحينما أقول الفضاء العمومي، فأقصد به مسمّى الفضاء، وليس بالمعنى الذي تسنده تشارطية التواصلية الهابرماسية، لأننا في بيئة النكبة لا ننطوي على فضاء عمومي حقيقي، وإنّما لا زال للرأي سلطة ممنوحة، غير سلطة المعرفة أو الفضاء، هناك تواصل من جهة واحدة. وفي خضم هذا النّقاش غير السّويّ في فضاءات تعكس ليس فقط فوارق التفاوت الطبقي، بل أيضا تعكس وضعية مظاهر تواصلية غير تواصلية، في فضاء يتيح المجال لتناقر ديكة من بنية، تتوزّع أدوار مشهد يركن إلى الجمود والتّفاهة.

غالبا في العشرية الأخيرة، دخل المجال العربي إلى تجربة التناقر التواصلي/اللاّتواصلي، وافتعال فضاءات مغشوشة لنقاش تبادل الأدوار، البنية الحجاجية نفسها عند طرفي الجدل، إذ كلاهما يتحدان موضوعيا لإقصاء صوت التّواصل، صوت الفكر الحرّ، صوت العلم، فمن أقصى الرأي إلى أقصاه، يخادعنا الفضاء العمومي المغشوش، بأنّ نقاشا حدث ويحدث هنا، ولكن في الحقيقة، النقاش لم يبدأ بعد.

يتميز هذا النمط التواصلي/اللاّتواصلي بصبيب لا نهائي مما سبق ونعته كثيرون وليس عبد المجيد الشرفي إلاّ واحدا منهم، وتبعه من وجدوا في هذه الدعوى ما يعزز أنماط التناقر اللّجاجي وليس الحجاجي، حيث بتنا أمام تجاسر منقطع النظير على ما يبدو بداهات غير صحيحة  كما عند الشرفي أو أكاذيب أربعة عشرية كما عند يوسف الصديق.

النقاش في تونس على ما له وما عليه، هو أكثر عمقا مما عرفته تناقريات العشرية الأخيرة في المغرب، ففي تونس يجري النقاش بين مثقفين يشتغلون على موضوعاتهم منذ عشرات السنين ضمن نظام خطاب أطلقته البورقيبية، وبأدوات وتكوينات عالية. وهم مع ذلك، واقعون في ضرب من التواصل الذي جعلته الأيديولوجيا نقاشا غير تواصلي، نظرا لشدّته وقسوته.

ولا أعتقد أنّ النزاع بين الشرفي مثلا وأبي يعرب المرزوقي، هو نقاش تواصلي، يمنح المتلقي فرصة الوقوف على الأبعاد المعرفية في هذا النقاش، بل إنّ كلاّ منهم يستند إلى تموضع الآخر، ويبني تطرفه على تطرف الآخر. وهذا مهما بدت تلويحة هذا الطرف أو ذاك، بأنّها تنتمي إلى مواقف معرفية أو مقاصد حداثية، هي امتداد لتناقرات كلامية تقليدية بمزاجها العصبي والعُصابي، دائما كان التطرف هو محفّزها الغايب/الحاضر، وجهان لعملة واحدة، تجليات لبنية تطرفية موغلة في مشهد يعبر بكيفيات مختلفة عن النكبة.

آية المتطرف الغالي هو تحشيد ما يبدو آراء تراثية متجاسر عليها في نوع من العدوى الأيديولوجية، تحشيد لا يستحضر الحيز الزمني الموضوعي لتفكيك تلك البداهات التي قد يقطع في تحليلها أصحابها عشرات السنين بل قرونا من تقليب النظر.

إنّ غريزة التلاص وبروز ظواهر البصّاصة، والسّرقات الأدبية والمفهومية، وشيوع التّفاهة، ساهمت في ردم الحدود بين المعرفة والأيديولوجية، وهو خلط له أثر سيّئ على المعرفة والأيديولوجيا سواء بسواء.

أعود إلى عبد المجيد الشّرفي في رهانه على التأويل، وهو فيما يبدو لي يسوس موقفه المعرفي، وكذا الأيديولوجي، بنوع من التدبير لا يخفى على قارئه. اشتغل الشرفي على قضية المصحف، واستحضر في موسوعته تلك سائر القراءات، حتى لا يظنّن ظانٌّ أنّ هناك قراءة واحدة وهو يرى أنّه لا بدّ من ممارسة تأويلية تستمد أدواتها من المناهج الحديثة وتجاوز مناهج التراث، وهذه دعوى في المبدأ ليست جديدة، فلازال النزال حول ذلك قائما منذ حركة الإصلاح والنهضة، وصولا إلى طه حسين في الآداب والتاريخ.

تبدأ في نظري المشكلة في غياب يكاد يكون تامّا لممكنات التراث، غياب تامّ، لأنّ هوامش لا زالت غير مستوفاة من النّقاش. بل هناك تأثّر بمخرجات ذلك النزاع، أي الدخول إلى فضاء التنازع الحداثي بمحتوى سلفي تجاوزته عقلانيات التراث نفسه.

نواجه السلفية ونربض على بيدر من بيادرها، فالقراءات التي ينقلها الشرفي في الموسوعة المذكورة، هي قراءات مأثورة، لا أحد ينفيها، ومعظمها قراءات تلاواتية، ليست هي الأصل ولا هي زبدة ما رامته الثورة التأويلية الحقيقية التي اهتمت بالمعنى ومعنى المعنى، بظاهره وباطنه، بآليات إنتاج القراءة.

في هذه المحاولة الظاهرية التي تَصُفُّ القراءات صفّا، لا نملك أي آلية تأويلية تجعلنا نحدث من التأويل ما يفوق تلك القراءات. بل إن جزء من تلك القراءات التي نظر إليها الشرفي نظرة سلفية في مضمونها وإن تترست بمفاهيم حداثية، هي نتيجة تأويل وليست قراءة تأسيسية أو أصلية نظير: (إنّ الدين عند الله الإسلام)= (إن الدين عند الله الحنيفية).

نحن أمام قراءة تبسيطية لاستراتيجيا التأويل، ذلك لأنّنا هنا لا نميز بين النص التأسيسي والنّص التأويلي. فلقد غصّ التراث بهذا اللون من التأويل حتى بتنا نتحدث عن مصاحف، أسفرت عن حروب التأويل. وهي حروب المعنى والعلامات، حروب واقعية، لأنّ في التراث نقف على مفهوم آخر، ألا وهو أن القرآن لو قرئ كما أنزل، لوجدوا فيه مسمين. وهكذا تمّ حرق القرائن، كناية عن حرق مصاحف التأويل، كمصحف ابن مسعود وغيره. أي المصاحف المدونة التي ضمّنها جيل من القراء ممن أوتوا فنّ التأويل، معاني راهنية، وشخّصوا المعنى وذكروا أسماء وأوضاع بعينها. فلقد أدرك المؤوّلون والحكماء كصدر المتألهين من متأخري الفلاسفة، بأنّ القرآن مجدد الإنزال على قلوب التّالين له. يمكننا القول بأنّ المصاحف تلك كانت بمثابة برنامج تفسيري، تنزيل متجدد للمعنى.

إنّ التجربة التي أقدمنا عليها في تشخيص آلية التأويل، وتطبيقها على آيات كثيرة، جعلتنا نقف على صحة هذا الافتراض الذي هو نابع من استقراء الطريقة التي كان يثوّر بها صاحب الدعوة نفسه المعنى، وكنا ضربنا مثالا بمعنى الظلم وقراءته في ما أحكم من قصة لقمان الحكيم لابنه.

وقدمنا أمثلة أخرى تطبيقية لتثوير المعنى والخروج من جمود النص الذي لا ينطق إلاّ بلسان التأويل، واضطررنا إلى تأسيس مفاهيم تمنح الباحث أدوات للتأويل وليس مزاعم من دون آليات، وذلك حين تطرقنا إلى ما يجب إحداثه من تغيير في علوم القرآن، وقراءة المفاهيم بعضها في بعض واختزالها اختزالا أشبه باختزال رياضي، بها آثرنا أن يكون مفهوم المحكم هو آلية مرجعية تفيد معنى المعلوم، والمتشابه فرع يفيد المجهول. وأنّ آلية التأويل التي هي آلية العرض على القرآن والتحقق والتمحيص، هي تدور مدار جدل المحكم والمتشابه، الذي به يتقوم الناسخ والمنسوخ نفسه، وتفصيله يدرك في مورده.

وعليه، حينما تحدثنا عن منطق انبناء الآيات وتوالدها النصي والمعنوي، حيث أكدنا على هولوغرامية النص القرآني، الذي يتسع وينكمش تأويلا، حتى أنّه يمكنك أن تقرأ القرآن كله في سورة الإخلاص، لا بل في البسملة، لا بل في النقطة تحت الباء، فذلك لأنّه يمكن إخراج القرآن كله من بعضه، وفق آلية العرض.

قراءة القرآن بعضه في بعض، أي تأويله وفق آلية العرض، هي مقاربة هولوغرامية قوامها وجود الكلّ في الجزء، وهذا هو ما يمكن اعتباره خاصية الإعجاز، لأنّ ما من نصّ إلاّ تجد فيه اختلافا كثيرا. فما يسمى الإعجاز، هو في نظرنا المقاربة الهولوغرامية للقرآن.

ما اعتبره الشرفي قراءة أخرى، هو كذلك، لكنها قراءة تأويلية وليست تأسيسية، وهي أيضا قراءة ممكنة وليست نهائية، وهي مصدقة للأولى وليست مناقضة لها، وهي أخير نتيجة تأويل وفق آليات مقررة وليست نصّا أصليّا.

فما لم يهتد إليه الشرفي وحتى نصر حامد أبو زيد، هو وجود آلية للتأويل تقوم على آلية الرّد والعرض، تقوم على مفهوم المشترك، كما في القياس المنطقي، وهو بمثابة العلة هنا، تراعي الجانب التناظري، على أن ما اشترطناه على هذا التناظر حتى لا نقع في المماثلة المغالطة، أو المتاهة الهرمسية عند أمبرتو إيكو، بل هناك ضابطة، لنسميها المناط الذي تمتاز به المماثلة المنتجة عن غيرها.

وفي الآية التي يوردها الشرفي كمثال عن اختلاف القراءات دون أن يقف على آلية إنتاج القراءة الثانية، هو أنّ الآية الأولى: (إن الدين عند الله الإسلام)، إن نحن وضعنا مصدر الشبهة في الآية، أي أخذناها كآية متشابهة وليست محكمة لمقام الراجح عندنا من أن المحكم ما علمته والمتشابه ما جهلته، فعرضناها على آية أخرى، حيث العرض ليس جزافا بل يقوم على المناط المذكور، والتناظر الحاصل، سنجد أنّ الآية لا يمكن إخراجها من سياق النزاع حول المعنى، استحضار بيئة النص الكامل، حيث يمكن ردّ الآية السابقة إلى الآية التالية:( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) ، فنجد عبارة “حنيفا مسلما” التي تعزز الترادف والتعاطف، مما يمنح شرعية قراءتها إبدالا (ان الدين عند الله الحنيفية).

ومعلوم أن الإكمال والإبدال محوران أساسيان في التأويل ومتداولان لدى القراء، وهما كذلك أساسيان عند دوسوسور، ويمكن في سائر الأنحاء أن نتحدث عن الضمائر والترادفات الممكنة والتقدير والحذف. فما بدا للشرفي ونظراؤه قراءة مختلفة، هي قراءة تأويلية ممكنة، ويمكن أن نأتي بقراءة تأويلية أخرى لم يشهد لها تاريخ  القراءات نظيرا، كما لو طبقنا آلية العرض بناء على نظير آخر، مثلا لو وضعنا ذيل الآية منطلقا في العملية الإحكامية التناظرية، فتكون الحنفية غير الشرك، فيمكن قراءتها حنيفا غير مشرك، ونجمعها: حنفاء غير مشركين. ومن خلال هذا المنطق التوليدي الغائب عن هؤلاء سنُصدم حين نجد في القرآن آية في سورة الحج هي: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ).

وتتيح لنا هذه المنهجية قراءة الآية السابقة نفسها تأويلا كالتالي: إنّ الدين عند الله غير الشّرك، ثمّ نتتبع المنهج نفسه ونقرأها بإعادتها إلى آيات محكمات لمقام النظير (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)=(فأولئك هم الظالمون)=(فأولئك هم الفاسقون)، لنخلص إلى قراءة تأويلية ممكنة:إن الدين عند الله غير الظّلم، إنّ الحنفاء هم غير الظالمين الخ من ممكنات القراءات التأويلية.

أجهد الشرفي نفسه في عمل كمّي، دون أن يقف على آليات صنع المعنى في التأويل، حيث يمكن من الآية الوحيدة إخراج ما لا نهاية من ممكنات القراءة التأويلية، وليس الوقوف على فلتاة مما بقي من مصاحف تأويلية محروقة. كما أنّ إقحام القراءات التلاواتية – أقصد غير ما يفهم من نسخ التلاوة- في إشكالية التأويل، لا يقدم ولا يؤخّر.

إنّ وجهة نظرنا في التأويل تروم القبض على المنهاج والآلية التي تُنتج بها القراءات، وليس مجرد صفّ ما هو منقول من قراءات يدركه المحققون منذ القرون الأولى ولا ضير. وعلى هذا الأساس اعتبرنا أن عرض المتشابه على المحكم عملية جدلية غير منقطعة، وبأنّ المعروض يتجاوز السنة إلى سائر السنن، وأنّ المعول عليه في تصحيح السنة هو قرأنتها، وهو ما دفعنا لدعوى توسيع مفهوم السنة لكل ما تَقَرْأَن.

إذ لا يكفي دعوى عرض السنة على الكتاب، إذا لم نظفر بآلية هذا العرض وإعادة تكييف سائر المفاهيم في علوم القرآن لتسويغ عملية العرض تلك.

لا يقدم الشرفي ولا من سبقوه لهذه الدعوة آلية لتجديد القراءة وتثوير النّص. ولكننا سنجد دعوى مفتوح للتأويل من دون آلية، مجرد دعوى مبهمة، واستنادا إلى سلطة الحديث وممارسة الوصاية على التراث، دون القبض على ممكنات التراث نفسه.

إذا تفادينا هذه المسألة وتأملنا دعوى اعتماد المناهج الجديدة حيث عجزت مناهج التراث عن جعل المعنى منفتحا على كل زمان ومكان، فهذه من حيث المبدأ دعوى صحيحة إن كان الغرض منها إنجاز قراءات غير إسقاطية، وعدم التحكم في سيرورة وصيرورة المعنى. لقد نحى حسن حنفي منحى قديما في هذا المجال، لكنه يختلف عن هذا الجيل في نظرته التحليلية التي تجعل كل الآراء والقيم والمناهج الحديثة هي ثاوية وممارسة بشكل آخر في تجربة التراث.

سنجد بالفعل أنّ فكرة الديمومة وتحولات الزمان والمكان حاضرة في تحقيق القدامى أنفسهم، وعلى الرغم من وجود نزاعات قديمة، إلاّ أنّهم فكروا فيما كشف عنه نظام الخطاب الحديث. لذا لا زالت الدعوة قائمة لاعتماد المناهج الحديثة، ولكن في ظلّ هذا التضارب بين المناهج، ما هو المخطط الإبستيمولوجي لتفادي الفوضى، وإلاّ سقطنا في ضرب من الحشوية المناهجية؟ سؤال سبق وناقشته مع الراحل محمد أركون، الذي يختلف عن هذا الجيل ،حيث لم ألمس منه موقف الكراهية المسبقة، بل هو كان يبحث عن إنصاف التراث، واستنزاف ممكناته الأخرى، واعتماد شكل من التفكيك، واختيار منحى الإسلاميات التطبيقية. إن استثمار ما يسميه عبد الله حمودي أيضا بالرصيد التراثي، مهمّة لا زالت غير ناجزة، لأنّ الكثير من هذه النماذج تنطلق من ردود فعل يتحدد أُفقها بالفهم الظاهري.

سنتحرر من كل أشكال الحشو المناهجي بتبنّي العبر مناهجية، وهي استراتيجيا تعيد دور الحدس في التقاط المعنى من خبرة حدس الوجود، ستعفينا من لعبة جدل القديم والحديث، وتدخلنا في ملحمة مقاربة المعنى في سياق مكتسبات العقل البشري خارج سلطة الآني وإلحاحيته الاختزالية.

فالحداثة حادثة زمنية، والفيلسوف عليها أن ينظر إلى الحداثة وما قبلها وما بعدها بعين المستوعب لحركة العقل وتاريخ الأفكار، ولا يقع في سلطتها وعُصابها الحاجب لممكنات الفكر والمعرفة. موقف الحكمة من فكرة الزمان والمكان، هي نظرة استيعابية، بها تكتمل زبدة صيرورة وخبرة الإنسان مع العالم والمعنى، حيث بالقديم والحديث معنى ندرك ما هي حصيلة التركيب التي ينهض به المعنى الكامل. فلن يكون عصرنا أفضل من العهد الرواقي إذا ما طال عليه الأمد وطوت صفحته تجارب يجب أن نتوقّعها في المعيش والمفاهيم.

مشكلة محاولة عبد المجيد الشرفي، الذي تحوّل إلى مرجعية مطلقة عند البعض، هي أنّها لا تضع حدودا بين الرغبة في تحديث مخطط المعرفة وبين الرغبة الأيديولوجية. فقسم كبير من هؤلاء لم يحقق تقدّما حتى في تاريخ الحداثة نفسها، بين ماضيها وحاضرها، بين الأشكال البداية في برنامج العلم، في النظرة الساذجة للحسّ، والعقل، ذلك لأنّنا لم نستوعب حتى الآن بأنّ الزمان الحداثي بات أسرع، وبالتالي فهو يرسم تاريخه وقطائعه بسرعة فائقة، تجعلنا لا نعي مقدار الطفرة في تاريخ الأفكار الحديثة نفسها، وحيث أصبح بإمكاننا الحديث عن ماضي الحداثة وحاضرها ومستقبلها.

بقدر ما تقف هذه المحاولة إزاء ما تعتبره خرافيا من التراث، تُكرهنا على أحكام خُرافية مما ليس إلاّ افتراضات. فاللاوعي بالمعنى الفرويدي واللاّكاني هو افتراض، لكنه عند الشرفي هو حقيقة نهائية لوضع تفسير – وتفسير نهائي- للوحي. لن يستطيع الشرفي أن يقول شيئا جديدا لم يسفر عنه النزاع حول قدم القرآن أم حدوثه، كلام الله أم مخلوق، نقاش احتدم بين المعتزلة والمدرسة العدلية وبين مخالفيها. فهذا نقاش تراثي-تراثي، ليس للحداثة فيه دور طليعي. تبحث الحداثة عن ممكنات أخرى قد ينطوي عليها المكنز التراثي، ويبحث التراث عن مخارج تسعفه فيها الثورة الحديثة، من هنا الدعوة لـ” الاستيعابية المتعالية”، التي تتأنّى في رصد حركة البندول من أقصاه إلى أقصاه.

بالملخّص، نستطيع القول بأنّ ما غيّبته حروب التأويل وحرق المصاحف ليس حرقا لمصاحب قائمة، بل لو أدركوا جوهر الإشكالية لتعلقوا بالمنهج لا بالمصحف. فلقد كان لابن مسعود أكثر من مصحف وليس مصحفا واحدا، ما يعني أنه كان في تمرين قرائي متواصل في الزمن الواحد، وبما أنّه كان كاتبا ومن القراء، أتاح له ذلك امتياز التدوين.

لو أدركنا هذا الجوهر لما تباكينا على ما حُرق من تلك المصاحف التأويلية، إذ يمكن أن نعيد إنتاج ما يفوقها من قراءات لو أننا قيدنا عملية التأويل بتقنية العرض المذكورة. أقول لهؤلاء: إن شئتم أن أنجز لكم مصحفا جديدا، أي قراءة تأويلية جديدة، فسأفعل.

فالمطلوب أن تنجز الأمة مصاحفها انطلاقا من النص التأسيسي المرجعي الموجود بين الدفتين، وهو قراءة زيد. فالمطلوب استمرار فعل القراءة والتأويل، ونحن في زمن الكتابة والقراءة يمكن أن ننجز ما يفرضه تجدد الحوادث في الزمان والمكان، شريطة أن نتقيد بمنهاج العرض وضبط مناط العملية التناظرية، وتحرير ضمير المؤوّل من الرغبات الآبية للانقياد للزمن والمكان الموضوعيين، مما يجنب العملية التأويلية داء الإسقاط العضال. فالبعد التاريخي للتقدم هو فعل موضوعي، وبأنّ الرغبات الأيديولوجية وصولا إلى الوعي الشّقي هي حوادث على الطريق السيار للتاريخ، وليست هي الفعل التاريخي.

هناك الكثير من الدعاوى، وصبيب من التأويلات الاستيهامية، وغياب ضوابط في مزاعم تجديد القول، وهي محاولات تبدو لي جامدة، لأنّها لا تخرج من سياق الاستجابة لمظاهر التفكير الظاهري، ولأنّها تستند إلى سلطة الحديث وغلبته في مقاربات يخونها التحقيق والاستيعاب، الاستيعاب الذي معه فقط يقوم فعل التجديد.

ولأنّ هذه العبارة ماعت في الممارسة الأيديولوجية العربية، حتى باتت مفهوما متداولا عند الطرفين في تكاملهما في لعبة الخداع المشترك، فلا بدّ من البحث عن مفاهيم جديدة لخلق حالة من الحوار الجاد بين التراث والحداثة قائما على ما سبق وأسميناه بحوار الممكنين: الممكن الحداثي مع الممكن التراثي. لا وصل ولا قطيعة، بل نتحدث عن استيعابية، ناظرة في الموصول والمقطوع معا.إنّنا لن نكون جادين في هذا الحوار حتى نحقق الإستيعابية، أي استيعاب المجال الترددي التاريخي بين الأقصى والأقصى معرفيا، ولا نستند في هذا التناقر الخادع اللاّتواصلي إلى لعبة الأنوار المسرحية في ركح هشّ، إن استمر فيه النّط أكثر مما يلزم، حصل انهيار، فلا بقاء لما يلزم ولما لا يلزم، فعلى هذا الركح لم نجد حتى الآن سوى قفزا آكروباتيا، وشكلا من “دردك زيد دردك”….

https://anbaaexpress.ma/d7979

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى