
كما أسعفنا القرآن بأمثلة عن مجتمعات باتت مريضة تمشي باتجاه الموت، وكيف تمّ التصرف تجاهها، بين فتية أهل الكهف؛ الذين انطلقوا لتأسيس مجتمعهم الخاص بهم، و ظنوا حتى بالكلب أن يبقى في المجتمع السابق!! وبين موسى صلى الله عليه وسلم، وهو يواجه أعظم حضارة في عصره، حيث حدد مهمته على وجه الدقة، بأنّه لا يريد إصلاح المجتمع الفرعوني؛ الذي وضع الموتُ يدَه الباردة عليه، إنّه يريد شعبه؛ الذي ينتظره أن يُدفن في الصحراء، أولاً، من خلال (التيه)، كي يخرج من أصلابهم جيلٌ لا يعرف غير الشمس والحرية، وهو الذي لن يرتعد من (القوم الجبارين)؛ الذين توهَّمَهُم آباؤهم كذلك.
والمثل الثالث، في إنفلاق مجتمع المدينة الساحلية إلى ثلاث مجموعات أمام تحدّي الانحراف، نجا فيه الفريق الصغير، نواة الأمة الجديدة، بترابط جديد للقيم. أما بقية المجتمع، فتشوّه الترابط الداخلي عنده، ليتحوّل إلى مجتمع (القردة الخاسئين): {فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ} [الأعرَاف: 166]، ولا غرابة؛ لأنّ كروموزومات القردة تشبه (99 %) من كرموزومات الإنسان، ولكنّ الاختلاف في البناء الداخلي، ولو باختلاف (1 %) يقلب البناء رأساً على عقب، ويحوّل البشر السوي إلى قردٍ خاسئ!!
شهادة التاريخ في موت المجتمعات
إن المجتمع الفرعوني، حينما اندثر، وطواه التاريخ، وبقيت الأهرامات تشهد على حيوية شعب أصبح في ذمة التاريخ، لم يمت أفراد ذلك المجتمع (بيولوجياً)، ولم تُغيَّب عناصره الأولية في التراب، وما زال الإنسان الفرعوني (المصري) يعيش، ولكن كعنصر أولي يشارك في حضارة مختلفة، فعندما مات المجتمع الفرعوني تحوّل أفراده إلى عناصر أولية، و(طوب)، أو (لبنات) امتصها مجتمع زاحف نامٍ متفوق، كوَّن بها نفسه من (لبنات) المجتمع الميت؛ الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهكذا تحول المجتمع (الفرعوني) إلى مجتمع (روماني)، ثمّ مات بدوره ليتحول إلى مجتمع (إسلامي)، وهكذا طوى التاريخ بين جنبيه مجتمعات تترى، ضمها قبر التاريخ، وضريح الحضارات {ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ} [المؤمنون: 42]، مثل المجتمع اليوناني، والقرطاجني، والأزتيك، والأنكا، والوبيخ، والفرعوني… إلخ: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مَريَم: 98].



