
كانت الصفعة الأولى للفكر التقليدي الآبائي في أوروبا، هي محاولة كوبرنيكوس فهم الكون على نموذج جديد، وبذلك خطى العلم خطوته الجريئة الأولى. ومن الغريب أن نموذج الكون الذي كانت الكنيسة قد تبنته من العالم اليوناني القديم (بطليموس)، لايوجد له نص واضح في العهد القديم أو الجديد، كل مافي الأمر أنه يسند تأويلات معينة للنص عندهم، (كيف وقفت الشمس مثلا ليشوع) وتفعل الكنيسة الآن نفس الغلطة مع التطور العلمي الجديد عن نظرية الانفجار العظيم التي مازالت في حيز النظرية. ولم تستفد من درس التاريخ، فهي قد تبنت الآن هذه النظرية (الانفجار العظيم) (BIG BANG THEORY) التي سوف نخصص لها مقالة كاملة لأهميتها العلمية و(الفلسفية) فهي مازالت في طور النظرية كما أسلفنا.
وكانت الصفعة الرائعة الثانية للعقلية (الآبائية) هي تلك التي جاءت من طاولة (أوتو هان) العالم الكيميائي الألماني (OTTO HAHN) المتواضعة حيث أمكن التخلص من التراث اليوناني ومن مسلمة (الآتوم = ATOM) ومعناها اليوناني الجزء الذي لايتجزأ حين أمكن شطر الذرة والدخول إلى العالم الفيزيائي الجديد ثم الانتقال منه إلى الفيزياء دون الذرية وبناء العلم الجديد (ميكانيكا الكم) ثم توليد قانون (الارتياب = UNCERTAINTY PRINCIPLE) منه في مستوى العالم الصغير.
والآن يكرر العلم نفس الشيء حين يوجه الضربة القاضية للفيزياء التقليدية الكلاسيكية تلك التي دشنها نيوتن وعصر نيوتن من عقول العشرات من العلماء الذين دشنوا العلم التجريبي، من أمثال بيكون وغاليليه وديكارت وليبنتز وباسكال وتوريشيلي وافوكادرو وكبلر. حيث يبنى صرح الفيزياء اليوم على النسبية العامة التي اطلقت علم الكوسمولوجيا (COSMOLOGY) الحديث، وميكانيكا الكم (QUANTUM THEORY) التي أطلق ثورة الالكترونيات؛ بل إن أعظم جهد علمي وأكبر تحدي يواجه العلماء هو في محاولة دمج (النسبية العامة مع ميكانيكا الكم) بحيث يمكن الخروج بنظرية توحيدية لفهم الكون ذي القوة أربعين أي الصعود للأعلى عشرة قوة 24 والنزول إلى الأسفل عشرة قوة 16 (10 مضروبة في 40) وهي حواف الكون الأصغر (MICROCOSMOS) والكون الأكبر (MACROCOSMMOS) الذي نستطيع معرفته في الوقت الراهن، حيث تم الكشف عن مائة مليار مجرة (GALAXY) من أمثال مجرة الطريق الحليبي (MILK WAY) التي نعيش فيها والتي تضم بدورها حوالي 200 ـ 400 نجم مشع مثل الشمس التي تمدنا بالضوء والدفء منذ مايزيد عن خمسة مليارات سنة، ومرشح لها أن تعيش بنفس الكمية من الزمن، مع العلم أن الحياة الإنسانية الفعلية ممثلة في الثورة الزراعية لم تبدأ إلا قبل عشرة آلاف سنة. فماذا ينتظر الإنسان بعد عشرة آلاف سنة ياترى؟
حوار الله والملائكة
لقد حصل حوار في القرآن بين الله والملائكة حيث رأت الملائكة في هذا الكائن أنه مجرم قاتل مدمر مفسد !! (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، فالإنسان كائن لاينتظره مستقبل! بالطبع رأت الملائكة في الإنسان مارآه موسى في عمل الرجل الصالح المحكي عن قصصه العجائبية ومغامراته اللامعقولة، حين قفز موسى مخالفاً كل شروط اللعبة: إلى أين أنت ذاهب ماالذي تفعله؟ مع أن قواعد اللعبة واتفاق الرحلة كانت سكوت فلا سؤال، فقط تأمل فلا اعتراض، وثالثاً : أنا الذي سأشرح كل شيء لك لاحقاً، إلا أن الواقع أكبر أمام مايحدث فهو حيناً يثقب (يفسد) السفينة التي يبحر فيها الناس ويعرضهم للغرق؟! . وبعد حين يقوم بقتل طفل ٍ لاذنب له ظاهرياً، فكيف يمكن لموسى أن يستوعب البانوراما الكونية كلها ليدرك أن حكمة هائلة خلف هذا المنظر المرعب، وأن صلاحاً كبيراً خلف هذا الفساد الظاهري (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)؟!
لذا كان جواب الله للملائكة أنه عنده من العلم عن طبيعة هذا الكائن غير المنظر الخارجي له، والعبث الصبياني، والإفساد غير المبرر، والقتل النافي للحياة، لإن هناك نضجاً ينتظره، وكمالات في طريق رحلة الصعود.
إني أعلم مالاتعلمون … ثلاث كلمات لا أكثر تحمل اللغز الإنساني.



