آراءثقافة

هل نحن في مستوى إنسانية “رابلي” الصريحة؟

وجب التحسيس إذن بأنّ الفلسفة اليوم في خطر، وهي كذلك لأنها تدفع ضريبة اندحار جيل الرواد الذين كانوا يعطون للكلمة معنى، للتفاصيل معنى، حتى وإن كانت غايتهم هي الكلّية. وهذا تيار عام يصيب الفكر عموما حيثما تجلّى وارتحل. قبل الفلسفة وبعدها يقوم الفكر باعتباره منطلقا وغاية. وجب علينا داخل الممارسة الفلسفية مراقبة طبيعة الفكر، حيث ليست الفلسفة سوى وسيلة من وسائله. فالفلسفة من دون فكر طنين كاطيغورياسي فارغ، وفيلم كارتون أبطاله مفاهيم تصدح بالباطل، وتتأنسن في تمنطقها كالسنافير.

هنا نجدنا في تمرين يهدف أخذ المفاهيم بالجدية التي يشترطها الفكر باعتباره ليس انعكاسا صوريا بسيطا، بل هو تدبير لِطَيْف الدلالات ولانهائيتها. وأخشى ما أخشاه سوء التقدير لكائن تبدأ مشكلته حينما يبسّط ذاته ويبسط من حولها المحيط، هذا بينما ماهيته التعدد في كون متعدد، لا يمكن إدراك وحدته إلاّ بصهر التعدد كانصهار ألوان الطيف لتمنحنا وحدة النور.

يخشى الإنسان من تعدده، لأنه يرضى بالتبسيط المخلّ بحقيقة الأشياء، حيث لا يكلف الكائن رهان السفر في مراتب وجود، لن نقطعه بالخداع والانتهازية. تصالح الإنسان مع كينونته، معرفة المنطلق المتعدد من أجل إدراك الوحدة، فمن جهل الكثرة جهل الوحدة.

فكرة الواحد والمتعدد حتى في منظور براغماتية وليام جيمس هي مركزية في هذا الانهمام التداولي. فالحقيقة متطورة، متناسخة، متكاملة، ولكن كل شيء يجري بعدالة لا بمزاج انتهازي، فالفلسفة البراغماتية ليست انتهازية بل جاءت لتحلّ معضلة الآخرية في انهمام كائن وجب أن يوسع من مداخل البحث عن الحقيقة، فهو وإن أدرك ما للفكر التجريدي من أهمية لكنه في تصوير ذكي أشبه ما يكون كما يؤكد هو نفسه كسمكة في بحر الشعور، لا نستطيع تجاوز الماء وبلوغ الهواء ولكن لا نستغني عن ذلك القدر الضروري من الأكسجين حيث مصدره الهواء.

كانت الأنسنة منذ جيل الرواد كرابلي، قضية قصوى، أهلها في خطر عظيم، مندفعون لخدمة الإنسانية بمعناها الكلّي، زاهدون، مندفعون، مضحون، كانت الأنسنة بخلاف الريطوريك الإنسانوي الصادح اليوم ،مكلفة، كانت تعني السجن، وقطع الرؤوس، والمقاصل، وليست مثل اليوم هي أشبه برقصة المطر.

تطور الفكر الإنسانوي، ودخلت معاني جديدة على المفهوم، وهذا طبيعي، فالإنسنة تقتضي اعتبار دور الإنسان في نشأة المعنى، وها هو يضفي على فعالياته معنى متجددا حسب انقلاب الشروط وتداخل العنايات. أفلا يعلمون أن “umanista” التي ظهرت كعبارة في القرن الخامس عشر كانت تعني أستاذ النحو والبلاغة(انظر:Rabelais, l’humaniste ، مقال: Arnaud Leroux, Alexandra Pautzké). وهم حسب القائل ليسوا بالضرورة أساتذة بل لديهم معرفة باللغات القديمة، تفرض الأنسنة إعادة اكتشاف آداب جديدة إغريقية-لاتينية بحسب ما ذهب إليه النّص المذكور.

رابلي إذن أحد أبرز رواد الأنسنة عزز رؤيته الإنسانوية من خلال عمله المخصص للحرب ” Gargantua “، وفيه يعبر عن الأنسنة بخليط عبقري من الأفكار التي يظهر عليها الجدية(الجدّية علامة الإنسانوي)، يرفض حرب الفتوح. أوتدري ما معنى أن ترفض تلك الحرب في عهد رابليه؟ لم تكن دعواه الإنسانوية مزايدة في خردة الأفكار المستعملة والتي تحتاج إلى غرامات بموجب قانون مكافحة جريمة انتحال الأفكار، ومع ذلك اعتبر رابليه بأنّ الحرب المشروعة الوحيدة هي الحروب الدفاعية، وحتى هذه الحرب لها قواعد وشروط. لكن إنسانويينا اليوم يشيطنوا الحروب الدفاعية، ويتمثّلون الموقف السهل في صوالين الغلبة.

قلت مرارا إنّ خاصية المفاهيم المتداولة عربيّا هي مهرّبة أو متمثّلة بخُرق. ولعل من ضروب الخُرق أنّ الأنسنة التي باتت مع شيلر فيما يلفت إليه وليام جيمس تصف مذهبا يرى أنّ الأفكار نفسها التي لا سبيل للثبت منها هي نفسها من صنع الإنسان، تلك إذن هي الأنسنة ليست بالضرورة ممشى واحدا في الأفكار بل هي تقدير لكل صنوفها باعتبارها جزء من الأنسنة، ومن هنا تساءلنا: ماذا بعد؟ أي أنّ الأنسنة ليست قيمة أخلاقية، بل هي في البداية محاولة لتدبير الموقف من الأشياء ومن الحقيقة. فإذا كان كل ما يظهر من حقائق هو من صنع الإنسان، فالإنسان يصنع حقائق كثيرة مدمّرة. ما ينتجه الإنسان أصاب أو أخطأ فهو جزء من الأنسنة: الأنسنة كنظرية في الفهم. ليس الإنسانوي بالضرورة هو الخِرِّيق، بل هو في الأصل من يفهم خطوط الطول والعرض في هذا التنوع الإنسانوي، حيث لا مجال لمغالطات التبشيع وممارسة القهر المعنوي بناء على أحافير دلالية فقدت آثارها. فالواقع كفيل كما ذهب وليام جيمس بجعل الحقيقة والقانون واللغة تتلاشى لأول لمسة من وقائعنا، غير أنّ الغالب على الأنسنة الخادعة هو الثّباتية والطفالية والعصبية الجاهلية ونبذ الكراهية بالكراهية، والعنف بالثأر، والأنسنة بالتوحّش.

يثيرني في جدّية الإنسانوي منذ القرن الخامس عشر، بل في كل أطوار ثورة الإنسان، هو التضحية، وهو شيء مفقود في صوالين الأنسنة المغشوشة في زمن براباغاندا مدن الملح. يمتلك الإنسانوي العتيد قدرة فائقة خلال كل العصور للتضحية، الإنسانوي ليس منشارا أكولا في صعود ونزول، إنه يجهل مصلحته الشخصية لأنه منهمك في صناعة التصورات الكبرى والمشاريع الرؤيوية ذات البعد الأممي، ليس تاجرا أو لصّا أو جزء من منظومة لصوصية، وقبل كلّ شيء هو شجاع لا يقف في منصف الحقائق، بل هو واضح في اختياراته، بتعبير آخر هو كائن ذو ماهية محددة غير متتاخمة، أي ليس بر-مائيا. لم يكن هيدغر في أونطولوجياه الثورية بعيدا عن الهمّ الأممي حتى أنّه دعى لتأسيس أنطولوجيا جيوبوليتيكية لألمانيا. لم يهربوا في التمثّلات الميتافيزقية، ولا استنزفتهم المقولات لكي لا يروا في كلّ هذه الملحمة من التجذيف إلاّ أنانا ضحلة، تحمل ثأرا قديما لا وفاء فيه. ترى، من أي القبائل الجاهلية انحدرت دعوى إنسانويتنا المغشوشة؟ من أي بطن من البطون، من أي وجر للذّئاب؟

لا تتحقق الأنسنة في وضع رِجل على رِجل، على طريقة شارلي شابلان عند المُلاوغة، بل الأنسنة معاناة، وكفاح نظري وعملي، وهي رؤية للناطق والمنطوق خلف فعل الكلام: تكلّم لأراك. والحقيقة أنني لا أراك، ولن أراك، لأنّ الدارقة الإنسانوية التي تخفي بشاعة هذا النّفاق، هي من الهشاشة بحيث وجبة واحدة من تاريخ الأفكار فرنجية وعربية كفيلة بالقبض على النّشل الاحترافي، والنوراستينيا الكامنة خلف الابتسامة المنخولية، وكل وسائل الخداع. فالفكر ذكاء، ولا يمكن ممارسة الغباء في حقل الأذكياء، ومن هنا وجب تصعيد اليقظة في تحقيق الأمن المعرفي، لأنّه آخر حقل تتوقف عليه إنسانية الإنسان، فحين يُستباح المجال التعاقلي، فذلك هو الخطر المحدق حقّا بالإنسانية. أنظُرُ في الشارع، ثمة قاطع طريق، يرهب الساكنة، حين أُلقي عليه القبض تذرّع بكل المعجم القديم للأنسنة، فعل ذلك قبل أن تسأله العدالة: من أين لك هذا؟

https://anbaaexpress.ma/3gbn5

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى