آراءسياسة

رهانات دي ميستورا في الجولة المرتقبة حول ملف الصحراء المغربية

إبراهيم اعمار: باحث في الشأن المغاربي

تتعدد مداخل المنظومة الأممية في تدارس قضية الصحراء المغربية، بين هيئات واختصاصات متفرقة تتوزع بين اللجنة الرابعة كأقوى لجن الجمعية العامة من حيث التداول وصياغة التقارير، ولجنة الأربعة والعشرين كلجنة خاصة معنية بتنفيذ القرارات، والمجلس الأقتصادي والاجتماعي كهيئة داعمة من أجل تنفيذ القرارات والإشراف، الجمعية العامة الموكول لها اتخاذ القرارات بناء على ملخصات جداول أعمال الهيئات الأممية الموازية، ومجلس الأمن، الذي يضم خمسة عشر عضوا موكول له تحقيق السلام ووقف العدوان اثناء اندلاع التوتر المسلح.

إنطلق ملف الصحراء المغربية إلى التداول الأممي منذ سنة 1966، وفي ذلك التاريخ كانت إسبانيا هي الراعي الرسمي للملف أمميا قبل أن تعلن عن انسحابها كإدارة مستعمرة للصحراء وبعد حرب طويلة أججتها أطماع إقليمية دولية ومجاورة استطاع المغرب بسط نفوذه السيادي التاريخي عليها وتوقيع اتفاق إطلاق النار برعاية أممية.

لم تتجاوز القرارات الأممية المتعلقة بالصحراء سوى دعوة الأطراف للحضور والمشاركة وبعدها تشكلت بعثة للسهر على التسوية السلمية ثم قرارات سنوية يتم تجديدها، وقد ظل هذا الشكل من التداول ألأممي للملف سائدا حتى سنة 2004 حيث تم اقتراح خطة بيكر للسلام، اختلف حول صيغة لائحة الأهلية للتصويت التي سجلتها المستعمرة 1974، واقترح المغرب شمول التصويت لكافة ساكنة الصحراء باعتبار هذا الشكل هو الاطار الديمقراطي لتحقيق مفهوم ساكنة الصحراء.

فانفجر التفاوض وإستقل بيكر قائد الخطة، ليؤكد المغرب مقترح الحكم الذاتي كأقصى إطار للتسوية لا يمكن التنازل عليه إذا كانت الأطراف الأخرى ترغب في إيجاد حل لإنهاء النزاع، والذي وصفه مجلس الأمن بالمصداقية والجدية وليس مجلس الأمن وحده بل تلقى دعما وتأيدا دوليا، إعتبرته أمريكا بالحل الوحيد، فرنساء تأيده، وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا والجامعة العربية ودول افريقية فتحت قنصليات لها على أساسه، قام المبعوث الجديد دي ميستورا بزيارة للمنطقة بعد تطور جديد للملف حيث اقترحت الأمم المتحدة إدراج الأطراف الإقليمية المعنية بالملف (موريطانيا والجزائر)، ولم يقدم اي تصريح أو تقرير بخصوص جولته التي يمكن تعريفها بجولة إطلاع، عرض خلالها المغرب مقترحه للحل.

بينما طفت البوليساريو تلوك أسطوانة تقرير المصير بمفهوم الإنفصال، من خلال مباني خربة كذاكرة وطنية، وأسلحة خردة، وصور تزعم فيها مسا بالوضع الحقوقي بالصحراء المغربية، وشعارات تضليل ومغالطات، وقد راهنت على حدث الكركرات كتكتيك لفرض تداول أممي لصالحها في ملف الصحراء، لم تنل منه سوى رد أممي برفض التصعيد والالتزام ببنود السلام الموقعة بين الطرفين، بل ذهبت الأمم المتحدة الى أبعد من ذلك في قرار مجلس الأمن رقم 6302 الذي وصف غزو البولساريو للگرگرات بالمس بأمن واستقرار المنطقة بكاملها.

في هذا الخضم يتسلم دي ميستورى اليوم مهمته في نزاع الصحراء المغربية، في ظرف دولي وإقليمي دقيق لا يمكن للعاقل أن يتوقع مسارا أمميا خارجه، العمل الأممي اليوم متوجه نحو قضايا حقوق الإنسان كمنظومة عالمية شاملة كفيلة بضمان تدبير عادل لمؤسسات الحكم والتنمية، وكذلك محاربة الإرهاب خاصة الإرهاب الإفريقي كتهديد لمستقبل السلام والنمو، والتفكير الأممي منكب على معالجة بؤر التوتر سواء ذات طابع مسلح أو مدني، بأن تنهل من المنظومة الحقوقية وبرامج الإنماء، لأن الهدف في نهاية المطاف هو ضمان وحدة الشعوب وسلام الدول وفوق ذلك تنميتها وجعلها تنعم بالاستقرار والسلم، وعلى ضوء هذا الأساس فالحكم الذاتي وفق المنظور المغربي المقترح والمنظور الاممي المتصور المبني على وكالات متخصصة تشرف وتتابع آلية عمله واشتغاله ومدى خدمته لأهداف السلام و الحرية والعدل والتنمية كقيم أممية، لا يتعارضان طالما أن المغرب يضمن للحكم الذاتي حكومته المحلية واسعة الصلاحيات تدبر هياكلها ومؤسساتها في إطار سيادة مغربية، يربطها بالحكومة المحلية مواثيق والتزامات تنظيمية، مشتركة وهو ما يأكده قوانين الجهوية المتقدمة، لأن الهدف ليس شكل السلطة المنظمة للعمل بقدر مضمون العمل الذي ليس في نهاية المطاف سوى السهر على تنمية أهل الصحراء، وتحصينهم من القتل والجوع والشتات واللجوء.

وأعتقد أن دي ميستورى يتمتع برصيد معرفي وقانوني، يدرك من خلاله أن مداخل الاستقرار والسلم لمنطقة تعاني من قضايا كبرى، وعلى رأسها تنامي الإرهاب، ومشاكل المناخ، وتعثر تنموي وديمقراطي، فالغاية التنموية والديمقراطية متضمنة في الحكم الذاتي، والتنمية رهينة بامتلاك كفاءات الحكومة المحلية القدرات على تسيير الأقاليم بما يخدم الناس، ولا أظن أن وهم العودة بالملف إلى الوراء سيتحقق.

فدي ميستورى، يعي جيد خطورة منزلقات وانحرافات الملف، لما تحظى به المنطقة من ترابط إقليمي ودولي كبير ولما تعج به من تهديدات إرهابية، وزخم آمال الشعوب في الاستقرار والعيش الكريم أمام أزمات وصدمات عالمية ضخمة، إن سلام واستقرار الصحراء المغربية له دور جيو-إستراتيجي قاري وعالمي كبير، وقد يشكل أداة لخدم السلام والأمن العالميين، وسيشكل هذا الرهان أفق عمل دي ميستورا المقبل.

https://anbaaexpress.ma/e0isb

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى