آراءثقافة

ولادة العلم الجديد..

عجزت فيزياء نيوتن وأفوغادرو وكيمياء الأفوازييه وغيرها عن تفسير البناء الذري مع كومة المعلومات الجديدة، مما عجل بتطوير ميكانيكا الكم ذلك الذي دشنه ماكس بلانك وفيرنر هايزنبرغ، وهي التي ترى أن عملية إمتصاص أو إبتعاث طاقة ما لا تتم جملة واحدة بل على مراحل كل منها عبارة عن حزمة من الطاقة تسمى (الكم).
ثم الطرح المرعب لنظرية اللايقين في الفيزياء النووية، التي تمخضت عن نظرية مكانيكا الكم، حيث لا يمكن معرفة وبنفس الوقت مكان الإلكترون وسرعته، حيث تشكل كل من ميكانيكا الكم في العالم الأصغر والنسبية العامة في الكون الأكبر، المحاور الرئيسية للفيزياء الحديثة.

وتولد من هذا المزيج ولادة عالم جديد، لم يره إلا جيلنا حيث وصل العقل البشري إلى سقف القوة إلى تملك قوى النجوم ولهيب حرارة الشمس بملايين الدرجات، كله بفضل الانقلاب النوعي العلمي، ودخول عالم جديد لم تعد فيه القوة العارية والفظة، هي أسلوب الحوار بل دخل الإنسان وللمرة الأولى في تاريخه منحى جديداً لبناء عالم جديد سلامي.

وبالطبع هذا الحديث لنا عودة تفصيلية إليه فيما بعد وهناك الآن عاصفة فيزيائية جديدة ليست مستوى الذرة بل في مستوى (الجزيئات دون الذرية)، حيث إعترض الكونجرس الأمريكي على مشروع بكلفة (11) مليار دولار للوصول إلى المزيد من المعلومات حول الجسيمات متناهية الصغر ،والتي تتكون منها جزيئات الذرة وذلك من خلال تسريع الجزيئات الذرية في نفق خاص ثم صدم هذه الجزئيات بعضها ببعض لتحصيل ركام ينبئ عن مكونات دون جزئية أصغر مما هو معروف حتى الآن.

لقد وصلت العتبة الذرية في الوقت الراهن إلى مستوى الكوارك، الذي يشكل ثلاثة من البروتون الذي يشكل بدوره أي البروتون مع النترون بشكل رئيسي نواة الذرة، بعد أن عرف أن العالم الأصغر يمتد في صغره أكثر مما كان متصوراً من جسيمات الذرة وتوزيعها بين الإلكترون والبروتون والبوزترون والنترون والسؤال إلى أين ستمضي الرحلة في العالم الأصغر؟؟ وهل هناك عتبة سيقف أمامها العلم، أم أن التناهي في الصغر ليس له حدود تماماً كما هو الحال في العالم الأكبر عالم الكوسمولوجيا!.

هل ستمضي الرحلة باتجاه اللانهاية التي نعرفها في الأرقام والآن نراها في العالمين الأكبر والأصغر؟؟ هذه هي طرف من طبيعة التحديات التي تواجه العلم الإنساني والعقل الإنساني.

لقد ذكر القرآن آيتين في المطلق عن مصطلح (كلمات الله) سنذكرها بعد قليل، والقرآن الكريم له مصطلحاته الخاصة به والتي تكرر نفسها وتعمق مدلولها بين الحين والآخر وتتشابك وتترابط لتشكل بنى فكرية خاصة به؛ بحيث يجب فهم القرآن على هذه الصورة الطوبوغرافية التركيبية، وليس بالشكل المتناثر والذرات التائهة التي لا يضمها خيط ولا يجمعها نسق ولا ينتظمها قانون، وهو ما أشار إليه القرآن في لفظة (عضين) أي أجزاء مقسمة وأعضاء مقطعة وأشلاء متناثرة (كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين)، أي أجزاء مقسمة وأعضاء مقطعة وأشلاء متناثرة، (وجعلنا سراجاً وهاجا) في حين جعل القمر (نورا)، مما يحمل إمكانية أنه متلق الضوء (وجعل فيها سراجاً وقمراً منيرا)، أو في البيولوجيا تكرار السمع قبل البصر دوماً، (ولاتقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)،  (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)، بحيث يتقدم السمع على البصر دوماً حيث أن الذي يولد أصم لا يستطيع النطق وتحصيل العلم خلافاً للأكمه الذي يولد أعمى أو يصاب بالعمى في سن مبكرة فهو يستطيع التحصيل العلمي على ما نعرف.

أو في السيكولوجيا الحقل النفسي حيث يشير بشكل دقيق إلى (إتقان العمل). فالقرآن لا يركز على كثرة العمل بل العمل المتقن، (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)سواء في معرض الموت والحياة أو ترسيخ القيم الأساسية في الحياة (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم احسن عملا) (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور).

أوفي المستوى السسيولوجي الاجتماعي عندما يتكرر مفهوم التحرير من الخوف من الجوع والأمن الاجتماعي (أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، قريش (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون).

أعود لذكر الآيتين فالقرآن يترك العنان مطلقاً للتصور بين كمية هائلة من الحبر (المداد)، هي ليست في مستوى البراميل أو الأطنان بل أحواض الحبر هذه ليست حتى بحرا واحدا بل هي الأبحر السبعة للعالم، بل حتى لو تكررت (ولو جئنا بمثله مددا)، كما لو أن الأشجار الموجودة في العالم لو أرسلت لمصانع إنتاج الأقلام وأخرجت أقلاماً تغطس في هذا المداد العجيب ثم بدأنا في كتابة القوانين والسنن التي تنظم هذا الكون (كلمات ربي) مثل: الطاقة تساوي المادة المتحولة مضروبة في مربع سعة الضوء – الجينات التي تشكل الشيفرة السرية للخلق هي ثلاثة مليارات لا تستخدم كلها في التشكل الخلقي – الخلايا العصبية في الدماغ تتنضد فوق بعضها البعض في ست طبقات تعتبر أعلاها مركز النشاط الواعي وعددها مائة مليار وهي الخلايا الهرمية – المجرة التي نعيش فيها تحوي من النجوم، من مثل شمسنا أو ما هو أكبر حجماً وأشد حرارة وأعظم سطوعاً وتألقاً ما يصل إلى مائتي مليار نجم – يعتبر الفيروس حلقة الوصل بين الجماد والحياة ولايرى إلا مكبراً وبعشرات الآلاف من المرات – يبلغ طول الأوعية الدموية في الجسم الإنساني، حوالي مائة ألف كم. إن حظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الإمكانات المتكافئة المزدحمة.

أقول سوف تنتهي الأقلام وتفنى وسوف يجب الحبر وينضب وتبقى كلمات ربي لا تنتهي، (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر ولو جئنا بمثله مدداً) ، (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير). وبعد فهذه جرعة بدائية لهذه الرحلة المثيرة مع العلم في خطواته الجريئة الجديدة.

https://anbaaexpress.ma/6yjm6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى