آراءسياسة

اليوم العالمي للديمقراطيا (الجزء الأول)

الديمقراطيا من الموجة الأولى إلى الخامسة

في العلوم السياسية، تم النظر إلى الديمقراطيا، في عصرنا، على شكل موجات، وهي طفرات رئيسية عاشتها الديمقراطيا عبر تاريخها. ظهر المصطلح في وقت مبكر من عام 1887، وروّج له عالم السياسة في جامعة هارفارد، صامويل هنتنغتون. وقد ارتبطت موجات الدمقرطة بتحولات مفاجئة في توزيع النفوذ بين القوى العظمى، مما خلق فرصًا وحوافز لإدخال إصلاحات محلية شاملة.

بدأت الموجة الديمقراطية الأولى، 1828-1926 في أوائل القرن التاسع عشر عندما مُنح حق الاقتراع لغالبية الذكور البيض في أمريكا المتحدة. ثم تبعتها فرنسا، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، وإيطاليا، والأرجنتين، وقليل من الدول الأخرى قبل عام 1900. في ذروتها، بعد تفكك الإمبراطوريات الروسية والألمانية والنمساوية والعثمانية عام 1918، شهدت الموجة الأولى 29 مثالا في العالم. بدأ التراجع في عام 1922، عندما وصل بينيتو موسوليني إلى الحكم في إيطاليا. أصاب الانهيار في المقام الأول الديمقراطيات المشكلة حديثًا، والتي لم تستطع الوقوف في وجه الصعود العدواني للحركات السلطوية أو الشمولية الشيوعية التوسعية والفاشية والعسكرية التي رفضت الديمقراطيا بشكل منهجي. وصلت الموجة الأولى إلى الحضيض في عام 1942، عندما انخفض عدد الديمقراطيات في العالم إلى 12 بلد فقط. الموجة الرابعة امتدت من 1989 وحتى 2011 لتبدأ في الانكسار طيلة السنوات العشر الماضية.

مراقبون يتحدثون عن موجة خامسة تلوح من بعيد، تعيش مخاض الولادة في غمار صدام الأنساق الجيوسياسية المترتب عن الحرب الروسية الأوكراينية.

عام 2007، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاحتفال بيوم 15 سبتمبر باعتباره اليوم العالمي للديمقراطيا، بهدف تعزيز مبادئ الديمقراطيا والتمسك بها، ودعت جميع البلدان الأعضاء والمنظمات للاحتفال بهذا اليوم بطريقة مناسبة تساهم في رفع الوعي العام.

في سبتمبر 1997، تبنى الاتحاد البرلماني الأممي (IPU) الإعلان العالمي للديمقراطيا. ويؤكد هذا الإعلان مبادئ الديمقراطيا وعناصر الحكم الديمقراطي وممارسته والنطاق الأممي للديمقراطيا.

بدأت المؤتمرات الأممية حول الديمقراطيات الجديدة والمستعادة (عملية المؤتمر الأممي للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة) في عام 1988 بمبادرة من رئيس الفلبين كورازون أكينو بعد ما يسمى «ثورة القوة الشعبية» السلمية التي أطاحت بديكتاتورية فرديناند ماركوس التي استمرت 20 عامًا. في البداية كان منتدى حكوميًا، تطورت عملية المؤتمر الأممي للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة إلى هيكل ثلاثي بمشاركة الحكومات والبرلمانات والمجتمع المدني. المؤتمر السادس (ICNRD-6) الذي عقد في الدوحة، قطر، في عام 2006 عزز الطبيعة الثلاثية للعملية واختتم بإعلان وخطة عمل أعادت التأكيد على المبادئ والقيم الأساسية للديمقراطيا.

ومتابعةً لنتائج المؤتمر الأممي السادس للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة، قرر مجلس استشاري شكله رئيس العملية – قطر – الترويج ليوم أممي للديمقراطيا. أخذت قطر زمام المبادرة في صياغة نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة وعقدت مشاورات مع البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة. بناء على اقتراح من الاتحاد البرلماني الأممي، تم اختيار يوم 15 سبتمبر (تاريخ الإعلان العالمي للديمقراطيا) ليكون اليوم الذي يحتفل فيه المجتمع الأممي كل عام باليوم الأممي للديمقراطيا. القرار المعنون «دعم منظومة الأمم المتحدة للجهود التي تبذلها الحكومات لتعزيز وتوطيد الديمقراطيات الجديدة أو المستعادة» (اعتمد بتوافق الآراء في 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2007.)

حث الاتحاد البرلماني الأممي البرلمانات على الاحتفال باليوم الأممي للديمقراطيا من خلال شكل من أشكال النشاط الخاص، المقرر عقده في 15 سبتمبر أو في أقرب وقت ممكن حسب الظروف. سيكون اليوم فرصة للبرلمانات من أجل:

التأكيد على أهمية الديمقراطيا، وما تنطوي عليه، والتحديات التي تواجهها وكذلك الفرص التي تتيحها، والمسؤولية المركزية التي تتحملها جميع البرلمانات باعتبارها المؤسسة الرئيسية للديمقراطيا.

فحص ومناقشة مدى جودة أداء البرلمان لوظائفه الديمقراطية، ربما على أساس التقييم الذاتي، وتحديد الخطوات التي قد يتخذها لتعزيز فعاليته.

بمناسبة اليوم الأممي الأول للديمقراطيا في 15 سبتمبر 2008، سيعقد الاتحاد البرلماني الأممي حدثًا خاصًا في مجلس النواب في جنيف. البرلمانات القومية مدعوة لتنظيم أنشطتها المتعلقة بالديمقراطيا في ذلك اليوم لتسليط الضوء على دور البرلمان باعتباره حجر الزاوية للديمقراطيا.

في عام 2013، روج الاتحاد البرلماني الأممي لليوم الأممي للديمقراطيا من خلال البرلمانات الأعضاء فيه في 162 بلدا حول العالم. ونتيجة لذلك، أعلن عدد من البرلمانات من جميع أنحاء العالم عن أحداثها التي ستُعقد في 15 سبتمبر أو بالقرب منه.

كان موضوع العام هو «تعزيز الأصوات من أجل الديمقراطيا» وأطلق الاتحاد البرلماني الأممي مسابقة على الإنترنت لسماع وجمع القصص من أبطال الديمقراطيا المحليين الذين تمكنوا من إسماع أصواتهم. كانت هذه القصص لإلهام الناس لاتخاذ إجراءات في مجتمعاتهم.

موضوع اليوم الأممي للديمقراطيا في عام 2014 هو «إشراك الشباب في الديمقراطيا». وقد حث الاتحاد البرلماني الأممي على اتخاذ إجراءات وتغييرات في العقلية إذا كان على الشباب المحبطين والمبعدين في جميع أنحاء العالم أن يشاركوا في صنع القرار السياسي.

يقول الاتحاد البرلماني الأممي إن مشاركة الشباب لها معنى خاص بالنسبة لها وأنه يجري العمل على برنامج لتعزيز مشاركة الشباب والشابات في العملية الديمقراطية، في متابعة للقرار الذي اعتمدته جمعية الاتحاد البرلماني الأممي عام 2010. أعلن الاتحاد البرلماني أنه سينظم المؤتمر العالمي الأول للبرلمانيين الشباب يومي 10 و 11 أكتوبر / تشرين الأول 2014 ودُعيت جميع البرلمانات للحضور.

كان موضوع عام 2015 هو: الفضاء للمجتمع المدني. موضوع عام 2016 هو الديمقراطيا وأجندة 2030 للتنمية المستدامة. موضوع الاحتفال هذا العام هو «الديمقراطية تحت الضغط: حلول لعالم متغير». يتزامن هذا اليوم مع الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو أيضًا فرصة لتسليط الضوء على قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان كعناصر أساسية للديمقراطية. كان موضوع يوم الديمقراطية لعام 2019 هو “المشاركة”.

تقوم كل دولة تقريبًا بتنفيذ تدابير لمكافحة هذا الوباء. من المهم أيضًا أن تتمسك الدول بسيادة القانون، وتحمي وتحترم المعايير الأممية والمبادئ الأساسية للشرعية، والحق في الوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف والإجراءات القانونية الواجبة.

وكانت موضوعة يوم الديمقراطيا العام الماضي 2021 تحت عنوان: “تعزيز المرونة الديمقراطية في مواجهة الأزمات المستقبلية”.

يعد المنتدى العالمي للديمقراطيا المباشرة الحديثة لعام 2022 هو المؤتمر العالمي العاشر لحقوق الشعوب الديمقراطية المباشرة. هذا العام، ستعقد قمة الديمقراطيا هذه في الفترة من 21 إلى 25 سبتمبر في لوتسرن (كما يتم تنظيم فعاليات في أماكن أخرى مثل أراو وبرن وأوستر في ذات اليوم)، تزامنا مع اليوم العالمي لسلام.

يتم تنظيم المنتدى من قبل مؤسسة الديمقراطيا السويسرية بالتعاون مع منظمة الديمقراطيا الأممية وشركاء على المستويات المحلية والإقليمية والقومية والأممية منذ عام 2008. وكانت الأماكن حتى الآن: أراو (2008) ، سيول (2009) ، سان فرانسيسكو ( 2010) ، مونتيفيديو (2012) ، تونس (2015) ، سان سيباستيان (2016) ، روما (2018) ، تايشونغ-تايبيه (2019) وعبر الإنترنت (2020).

حول الديمقراطيا

على الرغم من اختلاف أفلاطون وأرسطو حول العديد من النقاط، فقد افترضا أن الديمقراطيا ليست سوى نمط أكثر هشاشة، من ضمن الأنماط السياسية التي يتخيلها البشر. في الواقع، هذا النسق من التنظيم الاجتماعي، كبنية سياسية، هو سيرورة قبل أن يكون قيمة. إنه عامل وازن، لو أن التصورين المؤسسين للديمقراطيا (الحرية والمساواة)، كانا بعيدين عن الكونية. ذلك أن كليهما شكلي وليس فعليا. وهذا يعني أن كليهما يندرج في سيرورة ثقافية وليس في سيرورة طبيعية. لذلك والحالة هذه، نجد المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان لعام 1789 تشير بدقة أن “البشر يولدون ويظلون أحراراً”، مما يستلزم أنهم ليسوا أحراراً على المستوى الكوني. في الواقع، وبمعزل عن الفكرة التي يتبناها الأيكولوجيون، ترى بعض القراءات، أن الطبيعة تسخر من الوضع البشري. لا يهمها أن يكون البشر أحرارًا ومتساوين. وبالتالي ما يسمى القانون الطبيعي ليس في نهاية المطاف سوى قانون تعسفي أكثر ظلما، في كثير من الأحيان، من القانون الذي وضعه البشر أنفسهم.

على مر التاريخ، اقتربت الديمقراطيا باستمرار مما يسمى بالمنفعة المشتركة (bien commun). بالطبع، لم تكن أبداً مثالية، لكن هل يكون الكمال هدفا معقولا إذا ما كان البشر معرضين للخطأ؟ ظلت الديمقراطيا عرضة للتهديد، وحتى تصون الحرية والعدالة يجب أن تكون هي محمية. وعلى أولئك الذين يحطون من قيمتها أن يتذكروا ما يلي: حينما تغيب، تصبح الحياة في المجتمع جحيما …

عادة ما تجري مناقشة داخل البرلمانات حول “التأصيل الأخلاقي” للحياة السياسية. في الواقع، السؤال الذي يجب طرحه هو: ما الذي يجب القيام به (من الناحية القانونية) حتى يكون السياسيون في النهاية جديرين بمناصبهم؟ هل هذه مشكلة جديدة هنا؟ بالتأكيد لا! وعلى أي حال، دعونا نستمع إلى أرسطو: “وهكذا، لتجنب نهب الأموال العمومية، يجب أن يتم نقلها بحضور جميع المواطنين، ويجب أن يتم تقديم نسخ من الحسابات على مرأى الدوائر والقبائل”. وحتى تتم ممارسة القدرة/الحكم بشكل نزيه يجب، بمقتضى القانون، أن يحظى بالشرف الأشخاص الذين يتمتعون بسمعة جيدة. هنا، أرسطو على حق: الإنسان ليس فاضلاً بشكل طبيعي! هو مثل طفل حريص على المتعة وحذر قليلا من الآخرين. الشيء الوحيد الذي يهمه هو إرضاء رغباته حتى لو كانت شهواته ضد الآخرين. وهربا من هذا المصير المؤلم ابتكر البشر القوانين المؤسسة للديمقراطيا. تلك القوانين، التي بدونها سنكون جميعا خاضعين لقانون الأقوى. بدون القوانين، ستبقى الحرية، المساواة والعدالة مجرد أساطير.

ليست الديمقراطيا مفسدة بطبيعتها، غير أنها، في غياب شروط ومقومات وميكانيزمات، قد تجعل السبيل الى الإفساد متاحا. فهي تتيح لكل من هب ودب إدعاء المعرفة والإمساك بناصية الحكمة.

https://anbaaexpress.ma/gj7b2

سعيد هادف

شاعر جزائري وباحث في الشأن المغاربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى