تقاريردوليسياسة

التعقيدات الجيوبوليتكية تنذر بمواجهة جديدة بين أذربيجان وأرمينيا

عادت المخاوف مجددا، بشأن إندلاع حرب جديدة بين أذربيجان وأرمينيا، جراء تجدد الاشتباكات الدامية، على طول الحدود بين البلدين خلال اليومين الماضيين.

وأسفرت عن 50 قتيلاً من الجيش الأرمني، الذي اتهم علانية الجيش الأذري بشن هجمات على مناطقه، في حين نفى الأخير استهداف مناطق داخل أرمينيا، وإنما في ناغورني قرة باغ.

وقالت أرمينيا اليوم الثلاثاء، إن عدة بلدات قرب الحدود مع أذربيجان، بما في ذلك جيرموك وجوريس وكابان، تعرضت للقصف في الساعات الأولى من اليوم الثلاثاء، موضحة أنها ردت على ما وصفته “باستفزاز واسع النطاق” من جانب أذربيجان. وردت باكو بالقول، إن هجماتها بدأت بعد أن هوجمت أراضيها من جانب أرمينيا.

وأعلنت اذربيجان الثلاثاء، أنها “حققت كل أهدافها” على الحدود مع أرمينيا.

وأفاد مكتب الرئيس الأذري الهام علييف في بيان، أن “الاستفزازات التي قامت بها القوات الأرمنية على الحدود بين البلدين تم صدها، كل الأهداف تحققت” مشيراً إلى أن “مسؤولية التصعيد تقع بالكامل على القادة السياسيين الأرمن”.

ومع تجدد المواجهات الدموية بين الخصمين اللدودين، تجددت المخاوف من حدوث حرب جديدة على غرار تلك التي اندلعت في عام 2020 وخلفت أكثر من 6500 قتيل من الطرفين، واستعاد على إثرها الجيش الأذري مناطق استراتيجية في إقليم ناغورني قرة باغ الانفصالي، والذي تسكنه أغلبية أرمنية، لكنه يقع داخل أراضي أذربيجان.

جذور الصراع

مع تراجع القبضة السوفيتية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، تطورت الخلافات بين الأرمن والأذريين إلى أعمال عنف بعد تصويت برلمان المنطقة لصالح الانضمام لأرمينيا.

وكان زعيم الاتحاد السوفيتي جوزيف ستالين، ضم الإقليم الذي تقطنه أغلبية أرمينية إلى أذربيجان، ذات الأغلبية الشيعية المسلمة ومنحه حكماً ذاتياًَ.

وبعد وفاة ستالين، وتحديداً في الأعوام ما بين 1945 1983 سعت أرمينيا لضم الإقليم إلى أراضيها، لكن محاولاتها قوبلت بالرفض.

بلغ الصراع ذروته بين أرمينيا وأذربيجان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال الدولتين في عام 1991، حينها أعلن الأرمن في إقليم ناغورني قرة باغ الانفصال عن أذربيجان.

وتشير التقديرات إلى أن الصراع أسفر عن مقتل ما بين 20 ألفاً إلى 30 ألف شخص، ونزوح نحو مليون شخص وسط تقارير عن تطهير عرقي ومذابح على الجانبين.

وانتزعت الأغلبية الأرمينية السيطرة على الإقليم، ثم سعت إلى احتلال منطقة متاخمة ضمن أراضي أذربيجان لعمل منطقة منزوعة السلاح تربط بين كاراباخ وأرمينيا.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر عام 1991، أعلنت كراباخ نفسها جمهورية مستقلة، مما أدى إلى تصاعد الصراع وتحوله إلى حرب شاملة. ولم يتم الاعتراف بدولة “الأمر الواقع” من الخارج، حتي من جانب أرمينيا ذاتها.

وعلى الرغم من أن أرمينيا لم تعترف رسمياً باستقلال المنطقة، فقد ظلت الداعم المالي والعسكري الرئيسي لها.

التعقيدات الجيوبوليتكية

تزيد العوامل الجيوبوليتكية  الصراع تعقيداً، إذ أن تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو” كانت أول دولة تعترف باستقلال أذربيجان عام 1991 وقد سبق ووصف رئيس أذربيجان السابق حيدر علييف البلدين تركيا وأذربيجان بأنهما ” بلد واحد في دولتين”. وتجمع البلدين صلات ثقافية واجتماعية، كما تعهد الرئيس رجب طيب إردوغان بدعم بلاده بأذربيجان.

كما أن تركيا ليست لديها علاقات رسمية بأرمينيا، وقد أغلقت حدودها معها عام 1993 دعماً لأذربيجان خلال الحرب بشأن ناغورنو كاراباخ.

في حين تحتفظ أرمينيا بعلاقات جيدة مع روسيا. وتوجد فيها قاعدة روسية ، والبلدان عضوان في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، أو ما يعرف بحلف طشقند الذي يضم عدد من الدول المستقلة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

وفي الوقت نفسه، يتمتع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعلاقات جيدة مع أذربيجان. وقد دعت موسكو إلى هدنة بين الجانبين.

وفي عام 2018 شهدت أرمينيا انتفاضة سلمية أطاحت بالرئيس سيرج سيركسيان من السلطة. وتولي زعيم المعارضة نيكول باشينيان رئاسة الوزراء بعد انتخابات حرة في العام نفسه. وبعد توليه السلطة، اتفق باشينيان مع رئيس أذربيجان إلهام علييف على تهدئة التوتر بين الجانبين.

وأصدر البلدان عام 2019 بياناً يعلن حاجتهما “لاتخاذ إجراءات ملموسة لإعداد الشعبين للسلام”.

أسباب تأييد إيران لأرمينيا المسيحية ضد أذربيجان الشيعية

تشير آخر التقديرات إلى أن نحو 97% من سكان أذربيجان مسلمون، 85% منهم من المسلمين الشيعة، و15% من السنة، فلدى جمهورية أذربيجان ثاني أعلى نسبة من المسلمين الشيعة في العالم بعد إيران.

وتعتبر أذربيجان دولة علمانية، حيث كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب أن 21% فقط من المشاركين من  أذربيجان أن الدين جزء مهم من حياتهم اليومية.

وتعتبر أذربيجان دولة وسطية بين إيران وتركيا وروسيا، جغرافيا وسياسيا وإثنيا وتاريخيا، وتعتبر اللغة الأذرية أقرب لغة من المجموعة التركية إلى اللغة التركية الخاصة بتركيا.

ويمثل الأذربيجانيون حاليا نحو 16% من سكان إيران، وسبق لمقاطعة أذربيجان التي تقع في شمال إيران أن أعلنت استقلالها عن إيران وقيام جمهورية أذربيجان الشعبية عام 1945، مُتّخذة من تبريز عاصمة لها، حيث صمدت هذه الجمهورية عاما واحدا قبل أن تنتهي بعد تدخل الجيش الإيراني، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية في ذلك الوقت.

ويرى مختصون في الملف، أن مواطنو جمهورية أذربيجان إلى الإثنية التركية، ولأن معظم الدول التي نشأت حديثا إثر الحرب العالمية الأولى والثانية تم تشكيلها على أساس قومي وليس على أساس ديني، فإن القومية تسمو على غيرها من العناصر، ومن هذا المنطلق يُعرف الأذربيجانيون أنفسهم من باب الهوية القومية التركية وليس الطائفية الشيعية، ولذلك فهم أقرب إلى تركيا منهم إلى إيران”.

وحسب نفس المصدر، الإيرانيون لا ينظرون إلى المواطنين في جمهورية أذربيجان على أنهم شيعة موالون لأهل البيت بالطريقة نفسها التي ينظرون إليها على سبيل المثال إلى بعض الشيعة الموالين لهم في لبنان والعراق والبحرين، وغيرها، علما أن النفوذ الإيراني في تحريك الهوية الطائفية لدى المواطنين الأذربيجانيين كان قد بدأ في العقدين الأخيرين”.

كما أن تبني أذربيجان النموذج العلماني القومي يضعها في تناقض تام مع النموذج الديني الذي تقدمه إيران، فضلا عن ذلك، ينظر الطرفان إلى بعضهما بعضا بتوجس كبير نظرا لما يمثلانه من نموذج متناقض.

ووفق نفس الخبراء، فإن العنصر الطائفي يظهر مع تخوف الجانب الإيراني من أن يمثل نجاح نموذج أذربيجان (العلماني – القومي) خطرا على النموذج الإيراني الذي يقدم نفسه من الزاوية الطائفية بحيث يصبح نموذج أذربيجان جذابا للشيعة الإيرانيين وللأذريين الإيرانيين أيضا بشكل يؤدي إلى تقويض نموذج الحكم الإيراني الديني.

كما ان أذربيجان كانت تتخوف بشكل دائم من سياسة تصدير الثورة التي يمارسها النظام الإيراني ولذلك حمت نفسها من خلال التقرب إلى الغرب، الأمر الذي ساعد في توسيع الفجوة بين الطرفين ولاسيما مع توجه إيران نحو روسيا لتخفيف الضغوط الغربية عنها.

https://anbaaexpress.ma/1mi1a

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى