آراءتقاريردولي

الفرنسيون ذوو الأصل المغاربي والشأن السياسي

في الرئاسيات الماضية، صّوت شاب فرنسي من أصل مغربي لصالح مرشح حزب  الخضر (Yannickjadot). يقول في منشور على الفايسبوك، “بعد أن علم والدي، اتصل بي وطلب مني بكل جدية أن أشرح له لماذا لم أصوت لميلونشون ”كأيها الناس“ يقصد مثل أخي وأختي وأصدقائه في المسجد ومقهى المتقاعدين المغاربيين في حيّه”.

برر الشاب اختياره لجادو كونه لا يرتاح سياسيا لميلونشون، ويتفق أكثر مع جادو في برنامجه حول أوروبا الديمقراطية الليبرالية ومع موقفه من الريجيمات الشمولية. اعتبر والده هذه الأمور هامشية في هذه الظرفية الحرجة التي تمر بها فرنسا..، وقال: “جادو رجل معقول ويحترم مسلمي فرنسا والأجانب  لكنه لا يمتلك هيئة وهيبة رئاسية مثل ميلونشون”.

في هذه القمة المصغرة والاستثنائية التي نظمها على عجل هذا الأب مع ابنه، انتهت بقرار يقضي بالتصويت  لصالح حزب ميلونشون في التشريعيات القادمة. هذا الأب وفق المنشور الفايسبوكي، يراهن على وصول ميلنشون إلى الوزارة الأولى.

استوقفني هذا المنشور، ولم أكتف بقراءته فحسب، بل قمت بنسخه والاحتفاظ به، واكتشفت أن صاحب المنشور من أصدقائي الفسابكة.

ما أثار انتباهي هو هذا التفاعل الواعي للفرنسيين ذوي الأصل المغاربي مع وسطهم السياسي، وكيف تجلى هذا الوعي في حوار بين الشاب ووالده، ثم كيف صاغ الشاب هذا “الحدث” في تدوينة بشكل مبسط وواضح، تفاعلا مع محيطه الافتراضي.

هذا يترجم نوعية الثقافة السياسية، والنقاش السياسي، كما يترجم “القناعات” السياسية: قناعة الشاب وقناعة والده. ولأن القناعات هي الأرضية التي تتأسس عليها حياة الفرد أو الجماعة، فإن تشخيص الوضع السياسي الفرنسي يجب أن يبدأ من ريبارتوار القناعات والقناعات المضادة التي تأسست عليها الجمهوريات الفرنسية المنبثقة من قيم الثورة الفرنسية على مدى أكثر من قرنين. منذ الجمهورية الأولى، حيث نجد خلف كل جمهورية قصة جديرة بأن تروى، وبأن تُقرأ في ضوء فلسفة التاريخ والفلسفة السياسية.

هذه القمة المصغرة (بين أب وابنه) كانت على تماس بما يحدث في فرنسا على مستوى الهيئات العليا لممثل اليسار وحلفائه، وما دار بين الأب وابنه كان يدور بين ميلونشون وجادو. وتمكن زعيم اليسار الراديكالي ميلونشون من التحالف مع الخضر والشيوعيين والحزب الاشتراكي في الانتخابات التشريعية المقبلة، وسيجد الابن نفسه في نفس جبهة أبيه.

يبدو جليا أن الجمهورية الحالية (الخامسة) تعاني من شحوب في الخيال، حتى ليمكن القول أن الفترة الماكرونية تشبه وقتا بدل الضائع كما هو الحال في كرة القدم، أو هي فترة انتقالية غير معلنة تمهيدا للجمهورية السادسة.

كان النزال بين مارلين وماكرون قويا وفرجويا، وأن تخسر مارلين كرسي الرئاسة بفارق ضئيل فهذا هو الانتصار الذي أخاف اليسار والوسط الفرنسيين وأخاف محيطهما الأممي، لكن هذا الانتصار أخاف حتى مارلين، حيث وجدت نفسها في حيرة من أمرها بين أن ترمي بخطوة أخرى خارج التطرف أو تبقى بذات النبرة السياسية، فلا أحد ينكر أن مارلين منذ أن تزعمت الحزب شرعت في الجنوح نحو التخفيف من حدة خطابها اليميني.

ومع هذا الانتصار انطلقت التعليقات والتحاليل القلقة من صعود اليمين المتطرّف وتداعياته على الفرنسيين ذوي الأصول المغاربية.غير أن السؤال الذي يجب الإجابة عليه بعمق وبهدوء هو: من أين جاء هذا التطرف؟ وكيف يمكن معالجته؟ (انظر الرابط أسفله).

فرنسيون، يحملون جنسيات تونسية وجزائرية ومغربية، قالوا لبي بي سي إنهم صوّتوا ورفاقهم لصالح ماكرون، معترفين بأنّ الأمر كان “اضطرارا” لما يُشبه “التصويت المفيد”، بينما وضع آخرون بطاقة بيضاء في صندوق الاقتراع، بعد فشل مرشّحهم اليساري، جان لوك ميلونشون، في بلوغ جولة الإعادة.

وشكّلت معظم القوى السياسية في البلاد ما سمّي بـ”السدّ المنيع” للحيلولة دون وصول مرشّحة أقصى اليمين، مارين لوبان، إلى قصر الإليزيه، في توجّه، كان الخوف من زلزال سيؤديّ إلى تغيير راديكالي في السياسة الداخلية والخارجية الفرنسية، محرّكه الرئيسي.

لقد أصبح الناخبون الفرنسيون ذوو الأصول المغاربية يضطلعون بدور حاسم في رئاسيات فرنسا، فإن هزيمة مارلين أمام ماكرون وهزيمة الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، أمام فرانسوا هولاند. لم تكن (تلك الهزيمة) إلا بفارق ضئيل، بنسبة لم تتجاوز  3.28 نقطة مئوية عام 2012، وأقل من خمس نقاط مئوية عام 2022؛ وهو ما يفسر دور الفئة الفرنسية المغاربية في صناعة الفارق الانتخابي. على خلاف ما حدث في الانتخابات الرئاسية عام 2002؛ عندما فاز جاك شيراك بأغلبية ساحقة بنسبة 82.21 مقابل 17.79 لجان ماري لوبان.

وتوصف الكتلة الانتخابية المغاربية  بأنها غير منسجمة من حيث التوجه السياسي (وهذه ظاهرة صحية وطبيعية)، لكن المشكل أنها ضعيفة التكوين السياسي؛ ورغم حجمها الديمغرافي تفتقر إلى الحضور النوعي ليس على المستوى السياسي فحسب، بل حتى على مستويات أخرى (في المجال الثقافي والإعلامي والعلمي وعالم المال والأعمال…).

https://anbaaexpress.ma/R2DxO

سعيد هادف

شاعر جزائري وباحث في الشأن المغاربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى