آراءسياسة
أخر الأخبار

حياد بلا أدلة.. حين تتحول خبيرة أممية سابقة إلى خصم لزميلاتها وتختزل غزة في جملة عابرة

فضحايا غزة والمحتجزون الفلسطينيون لا يحضرون في المقال إلا بإشارة عابرة، وفي سطر واحد يذكر تقريرا ثانيا عن سجون إسرائيلية، ولا يتعلق الأمر بشهادات أو تفاصيل ولم يتضمن وصفا لحال الناس تحت القصف أو في الاحتجاز،

اختارت المقررة الخاصة السابقة المعنية بالتعذيب، في مقال نشر بجريدة بالتلغراف البريطانية في 19 أكتوبر 2026 أن تحاسب زملاءها على “الهوس” و”الانحياز”، بينما تعترف بأن نطاق ولاية الإجراءات الخاصة يفتقر إلى الموارد وبأن الوصول الميداني مقيد، ثم تلوم من منع من الدخول إلى غزة المنكوبة على عجزه عن التحقيق، وتطلق اتهامات بالتنمر والقمع ضد منظومة كاملة من الخبراء المستقلين دون أن تسمي واقعة أو تنشر وثيقة، وتبني تعميما شاملا على حالتين.

ويستدعي مقال يرفع راية الحياد ويكرس معظم سطوره لمعاناة طرف واحد، ويمرّ على ضحايا غزة بجملة عابرة، سؤالاً مشروعاً عن معنى الحياد الذي تدعيه السيدة أليس إدواردز، غير أن قراءة نقدية جادة فيما أطلقته الخبيرة الأسترالية بعد مغادرتها لسفينة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، لا يحتاج إلى الدفاع عن كل عبارة صدرت عن الطرف المقابل، بل يكفيه أن يحتكم إلى الوقائع والمراسلات الموثقة، وهو ما تفتقر إليه الاتهامات.

1. مقال يحاسب الآخرين على ما اشتكت هي نفسها من استحالته

تقول إدواردز إن مخصصات المقرر لا تكفي إلا لمساعد واحد وبعثة ميدانية واحدة في السنة، وإن ذلك يفرض الاعتماد على روايات ثانوية من المنظمات، وإن آلاف الشكاوى تتكدس بلا معالجة، وإنها مولت رحلتها إلى إسرائيل وفلسطين من مالها الخاص، ثم تلقي اللوم على المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والطفلات، السيدة ريم السالم، لأنها لم توثق رسميا أحداث 7 أكتوبر، وتصف عدم منحها حق الدخول بأنه عذر يصعب تبريره، مع أنها تعترف ضمنا بأن الدخول رفض.

وتذكر السالم أنها قامت بعدة مساعٍ للوصول إلى معلومات أولية وناجين وشهود ومستجيبين أوائل، وأن أول رهينة سابقة تقدمت إليها كانت في يونيو 2026، وأنها تعالج حالتها بموافقتها المستنيرة في كل خطوة، فاللوم إذن يقع على من حجب الوصول، وليس على طالبه.

2. الشجاعة في التوقيع ليست معيارا للتوثيق

تزعم السيدة أليس إدواردز أن زملاءها رفضوا توقيع رسالتها، وحاول بعضهم منع نشر محتواها، لكن ما وصفته تقريرا هو رسالة ادعاءات، وقد وقعها، حسب ما نشر عنها، هي والمقرر المعني بالإعدامات خارج نطاق القضاء فقط، وتقول السيدة ريم السالم إنها راجعتها بحسن نية وقدمت اقتراحاتها كتابيا في 3 دجنبر 2023، وطلبت الاطلاع على المعلومات الأولية والشهادات، وهو طلب معتاد بين المكلفين، فرفض دون تفسير، وكانت هذه المرة الأولى والوحيدة في ولايتها.

وإذا صح ما ذكر، فإن امتناع خبير أممي عن التوقيع على نص لم تعرض أدلته يعد احتياطا مهنيا متوقعا من أي مختص، ولا يمكن وصفه بالجبن بأي حال، فالتوقيع على وثيقة يعني تحمل مسؤولية مضمونها، ومن حق الخبير أن يطمئن إلى سلامة الأسس التي بني عليها قبل أن يضع اسمه عليها.

أما ما أثير في المقال عن التنمر والسعي إلى القمع فقد جاء مرسلا، إذ لم يقترن بأسماء أو تواريخ أو وثائق يمكن الرجوع إليها والتحقق منها، ومثل هذه الاتهامات الخطيرة تحتاج إلى سند واضح حتى لا تبقى مجرد انطباعات أو دعاوى لا دليل عليها، والمطلوب في هذه القضية نشر المراسلات المكتوبة الموفرة لدى الأطراف لكشف حقيقة ما جرى ليحكم القارئ بنفسه على الوقائع.

3. تعميم من حالتين إلى هوس المنظومة كلها

يرفع عنوان المقال تهمة “هوس معاد لإسرائيل” في وجه زملاء المقررة السابقة أليس إدواردز جميعا، ثم لا يسوق دليلا عليها إلا اسمي مقررتين، وهذه ليست حجة بل تعميم متعسف يحمل منظومة كاملة من الخبراء المستقلين وزر شخصين، والمفارقة الفاضحة أن إدواردز نفسها أصدرت رسائل مفصلة عن الانتهاكات في السجون الإسرائيلية، رصدت فيها 52 واقعة تعذيب وسوء معاملة و33 واقعة تعذيب جنسي، فكيف يستقيم أن تكون هي وزملاؤها هوسا في آن واحد، وهي التي وثّقت هذه الوقائع؟ وهذا يعني أن المنظومة لم تغض الطرف عن أحد، وأن الاتهام بالانحياز الشامل لا يصمد أمام سجل صاحبته، ومن يرفع راية الحياد لا يجوز له أن يختزل خصومه في صورة كاريكاتورية، ثم يطالب الناس بتصديق أن الجميع مهووسون بالعداء لإسرائيل عداها.

لا غرابة في أن تنال غزة من الاهتمام الأممي قدرا يوازي فداحة ما وقع على أرضها، فقد تجاوزت حصيلة القتلى، منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023 إلى 74,480 شهيدا و175,539 مصابا، وفقا لأحدث إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة حتى أكتوبر 2026، وهو رقم لم يتوقف عند هذه العتبة بحسب ما تتحدث عنه الجهات الصحية المحلية، وتهجر معظم سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من اثنين مليون نسمة، وانهار نظامه الإنساني، ومن يتأمل هذه الأرقام ثم يتحدث عن هوس في تناول الملف، عليه أن يفسر لنا كيف يكون التركيز على الحجم الأكبر من الضحايا انحيازا، وكيف يكون الصمت عنه حيادا.

فالخبيرة الاسترالية نفسها تقر في مقالها بأن المقررين يتعرضون للنقد من الأطياف السياسية كلها، وهذا القول يصدق عليها قبل غيرها، فقد علقت منظمات فلسطينية، بينها مؤسسة الحق وشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية تعاملها مع ولايتها، وسجلت في رسالتها أنها لم ترسل إلى إسرائيل حتى ذلك الحين، سوى رسالة واحدة بعد أكثر من سبعة أشهر من بدء ارتكاب إسرائيل لجرائم الحرب وعمليات الإبادة الجماعية والتدمير الكلي للقطاع وجرائم التجويع، في حين استغرقت رسالة مماثلة إلى دولة فلسطين أقل من ثلاثة أشهر، ولا بد من الإنصاف هنا، فقد أصدرت السيدة أليس إدواردز لاحقا رسائل مفصلة بشأن المحتجزين الفلسطينيين.

وفي اعتقادي، أن من تشكو من الاستقطاب كانت هدفا له من الجهتين، وأن دعوى الحياد المحض لا تقوم لأي من الطرفين على أرض صلبة، فمن يطالب زملاءه بالتجرد، عليه أولا أن يقبل بأن يقاس هو نفسه بالمعيار ذاته، المتمثل في سرعة الاستجابة وتوازن الاهتمام ووضوح الأدلة عند توجيه الاتهام إلى الآخرين.

4. الانتقائية التي تدينها هي نفسها

يستحضر المقال مشهد الرهينتين وأميهما في كفر عزة بحس إنساني لا يمكن إنكاره، ويجعل من معاناة الأهالي، وهم ينتظرون مصير بناتهم ويتخيلون الأسوأ، صورة لتعذيب نفسي ممتد، وهذه معاناة لا يجوز التقليل منها، ولا ينبغي لأحد أن يطالب الكاتبة بالتخفيف من وطأتها، غير أن قوة هذا الجزء من النص تكشف بالمقابل حجم الغياب في بقية فقراته الطويلة، فبقدر ما اتسعت المساحة للرهائن وذويهم، ضاقت حتى كادت تنعدم أمام الطرف الآخر من المأساة.

فضحايا غزة والمحتجزون الفلسطينيون لا يحضرون في المقال إلا بإشارة عابرة، وفي سطر واحد يذكر تقريرا ثانيا عن سجون إسرائيلية، ولا يتعلق الأمر بشهادات أو تفاصيل ولم يتضمن وصفا لحال الناس تحت القصف أو في الاحتجاز، ولا بيت مهدم يدخل إليه كما أُدخلت الكاتبة إلى بيتي الشابتين، فمن يطالب غيره بالحياد، ويجعله معيارا لنزاهة الأمم المتحدة، ينتظر منه أن يمنح الجانبين العناية السردية نفسها، لا أن يمنح أحدهما فصلا كاملا ويكتفي للآخر بتوقيع على الهامش.

ولا يمكن الجزم بنية الكاتبة، ولا ينبغي لقراءة نقدية أن تتجاوز ما يظهر على الورق، لكن الأثر الذي يلمسه الضحايا والعاملون الانسانيون والقراء والمتتبعون واضح، ويتلخص في نص يرفع شعار التوازن ثم يوزع اهتمامه على نحو غير متكافئ، فيتحول الحديث عن اختلال في عمل المنظومة الأممية إلى ما يشبه إزاحة للنقاش عن الوقائع في غزة، وإذا كان إصلاح الآلية هدفا مشروعا، فإن أقصر طرقه أن يعرض الواقع كاملا بجانبيه أولا، ثم يتم وضع السؤال بجرأة: أين هي أوجه القصور في عمل المقررين الخواص ومن ظلموا وما الذي يلزم تغييره؟. 

 5. نقد التمويل وجيه لكنه مرسل

تفتح المقررة السابقة أليس إدواردز في مقالها بابا حساسا، حين تشير إلى أن تبرعات الدول لمقررين بعينهم قد تكون هدايا بريئة، وقد تكون محاولات لشراء النفوذ، وأن بعض المقررين وجدوا أنفسهم في مرمى اتهامات بالتأثر السياسي، وتنقل عن محامي، خشية ضحايا من تسليم معلومات سرية لمقررين يتلقون أموالا من الحكومات نفسها المتهمة بالانتهاك، وهي مخاوف جدية لا يجوز الاستخفاف بها، فاستقلالية الخبير هو رأسماله الوحيد، وأي شبهة تمويل تضرب ثقة الضحايا قبل أن تضرب سمعة صاحبها.

لكن الطريقة التي طرحت بها المسألة تضعف قوتها، فالمقال يكتفي بتعميم يلقي ظلال الشك على الجميع دون أن يسمي مقررا ولا دولة مانحة ولا واقعة تمويل محددة، فيتحول الاتهام الضمني إلى سحابة تظلل زملاءها كافة، الذين لا يملكون وسيلة للدفاع عن أنفسهم ضد ما لم يقل صراحة، لأن النقد الجاد لمنظومة التمويل يستلزم الأمثلة والأرقام، عوض الاكتفاء بالتلميح، لأن هذا الأخير يضر بمن لا ذنب لهم بقدر ما يضر بمن قد يكون عليهم لوم، ويغري كل مستعد لنزع المصداقية عن المنظومة بأن يتخذ منه ذريعة.

ومع ذلك فإن مقترح إدواردز بجمع التبرعات في ميزانية مركزية واحدة وتوزيعها بالتساوي على المقررين هو أفضل ما في المقال وأعمقه نفعا، فهو يعالج جذر المشكلة بدل الاكتفاء بالشكوى من أعراضها، ويقطع الصلة المباشرة بين المانح والمقرر، ويخفف الضغط عن الولايات الأقل حظا في الموارد، وقد يلتقي حول هذا الرأي غالبية المتدخلين، لأن من يدافعون عن استقلالية المقررين الخواص ومن يشككون فيها يشتركون في الحاجة إلى تمويل شفاف لا شبهة فيه، ولو اقتصر المقال على هذا الاقتراح، مدعوما بالوقائع، لكان إسهاما حقيقيا في إصلاح الآلية بدل أن يكون أداة في معركة سجالية.

وبالمحصلة، فإن ما روج له مقال وتصريحات الخبيرة الأممية السابقة إدواردز، لا يستقيم وجهود الدفاع عن منظومة الإجراءات الخاصة، ما دامت النية موجهة الى وضع كل كلمة او تصريح صادر عن زميلتها السابقة ريم السالم، موضع شك وتخوين، فمن يريد ردا مقنعا عليه أن يفصل فصلا قاطعا بين صون استقلالية الآلية والذود عن عبارات لا تصمد أمام الوقائع.

فقد كتبت السالم أن لا تحقيق مستقلا وجد أن اغتصابا وقع في 7 أكتوبر، في مخالفة صريحة لما ذهب إليه تقرير الممثلة براميلا باتن، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع، أثناء زيارتها لإسرائيل في فبراير 2024، الذي أقر بمواجهته لقيود في جمع المعلومات ومحدودية في الوصول إلى المعطيات الجنائية وإلى الناجين من العنف الجنسي، وفي الان نفسه صيغت استنتاجاته بعبارة “أسباب معقولة للاعتقاد” التي تنطبق على الاغتصاب والاغتصاب الجماعي في ثلاثة مواقع على الأقل، وهي عتبة إثبات أدنى من معيار الإدانة القضائية، ولا يتجاوز كونه مجرد ادعاء.

ويكتمل مشهد الاختلال بملاحظتنا أن المقال الذي يرفع راية الحياد، يخصص معظم مساحته لمعاناة الرهائن وذويهم، ويمر على ضحايا غزة والمحتجزين الفلسطينيين بإشارات عابرة، فصاحبته لا تخفي أن أنظارها على الأمين العام وعلى منظومة المقررين الخواص، فتتحدث عن إصلاح لا يتجاوز في نصها اقتراحا واحدا عن التمويل، بينما يقدم الباقي سجالا مع زملاء بأسمائهم، وبهذا لا يبدو المقال دفاعا عن الحياد بقدر ما يبدو توظيفا لصفة المقررة السابقة في معركة ضد زميلات لا يزلن في مواقعهن، بما يتناقض مع ما أكده رئيس مجلس حقوق الإنسان من أن المكلفين يجب أن يؤدوا مهامهم دون هجمات شخصية أو ترهيب.

فالخبيرة ريم السالم تقف على أرض أصلب، لأنها لم تتهاون قط في إدانة العنف الجنسي والمطالبة بمحاسبة الجناة، وطلب أدلة أولية عبر القنوات المهنية، وعمل بإجراءات تحترم موافقة الضحايا، بينما تقدم أليس إدواردز اتهامات بلا أسماء ولا وثائق، وتعميما من حالتين إلى منظومة كاملة، ومقالا يرفع شعار التوازن ثم يوزع اهتمامه بصورة غير متكافئة، ولهذا لا ينبغي أن تترك المسألة لمن يريد تحويل تحامل لخبراء على نظرائهم إلى حكم على ثقة العالم بالإجراءات الخاصة كلها.

https://anbaaexpress.ma/1wfrj

عبد الوهاب الكاين

رئيس منظمة «أفريكا ووتش»، كاتب صحفي وباحث في مجال حقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى