السؤال في العنوان مدخل لمحاولة فهم أزمة بنيوية تضرب مركز القرار في طهران. التباين بين تصريحات الرئاسة ووزارة الخارجية والحرس الثوري بات من العاديات ويكشف أن السلطة لا تتحرك من مركز، بل من شبكة متنافسة تتقاطع فيها العقيدة الأمنية مع حسابات البقاء السياسي.
تمتلك إيران مؤسسات دستورية واضحة: الرئاسة، والبرلمان، ومجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام.
لكن هذه البنية، هذه الأيام، لا تعني بالضرورة وجود قيادة منسجمة، ذلك أن القرار يمر عبر مراكز قوى غير متساوية، يتقدمها الحرس الثوري بوصفه اللاعب الأكثر تأثيرا وأشد إمساكا بلعبة الأمن والعسكر و “الأذرع”.
ليس جديدا، في ما عرفناه خلال العقود الأخيرة، تعدد المؤسسات التي تنظم الحكم في البلاد. الجديد هو تضارب الأعراض الصادرة عنها. يعلن عباس عراقجي أن مضيق هرمز مفتوح للملاحة بسلام. يرد الحرس الثوري بقبضة تهديد مقرونة باسطول “البعوض”.
لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الصياغة، بل انعكاسا لصراع على من يملك حق تعريف الموقف الإيراني نفسه.
يدافع رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف عن التفاوض، فتتم مهاجمته ممن اشتهروا بالتشدد تحت سقف “الحرس” وحمايته.
تلك صورة جمهورية ولاية الفقيه التي فقدت وليّها وغاب خليفته وصار لها أكثر من لسان.
تبلغ المأساة ذروتها مع الجدل حول وفد التفاوض إلى إسلام آباد. تزامنت خصال المرونة الدبلوماسية مع اتهامات ضمنية بأن الوفد الذي امتد على أكثر من 80 شخصا تجاوز صلاحياته.
توحي الوقائع بأن التفاوض لا يعكس قرارا نهائيا أو خيار دولة. يبدو الحدث وكأنه لعبة اختبار داخلية ترسم داخلها حدود النفوذ بين مدرستين: التفاوض والاتفاق من جهة، أو المواجهة والصدام من جهة أخرى. وفي الحالتين يقتفي الهدف غرائز البقاء.
غاب المرشد الجديد مجتبى خامنئي. فقدت الجمهورية مفتاح التقاطعات الذي صنعه الخميني وأجاد التلاعب به خامنئي الأب.
سيطر الحرس الثوري بصفته قوة المكان والزمان والمتوقع، له الدور الأصيل بعد أن شغل دور الفرع وحارس ثورة تتمدد.
الأرجح أن إيران كابرت وأفرطت في تصديق جبروتها ولم تستعد في الأيام البيض للأيام السود. غادرت عهد الديمومة إلى العهد المؤقت والانتقالي.
يخبرنا التاريخ أن التصدّع في تاريخ الأمم يفسح للأقوى فرصا نادرة يجوز اقتناصها. تتقدم القوة الخشنة من حرس ومحافظين ومتشددين وتتراجع القوة الناعمة من حكومة ورئاسة وجهاز الدبلوماسية والتواصل.
سيصعب تخيّل إبرام اتفاق وازن فيما لا يعرف العالم من يحكم إيران. تبدو التسوية المحتملة هشة قبل أن يهتدي الأطراف إليها. تنفيذها قابل للتأويل والتفسير والنقض ويسهل تخريبها.
حتى إذا استقر الحبر على الورق، فمن ينقذ التفاصيل من شياطينها. تدرك واشنطن أنها أمام مأزق لم تستشرفه حين انتشت بحرمان إيران من قائدها والقادة الكبار.
نعرف اليوم لماذا أسقطت واشنطن شروطها لعلاج البرنامج الصاروخي وقطع صلة الرحم بين إيران-الأم وأذرعها المنتشرين في الجوار. بات ترامب يشتهي نهاية مجتزأة تقتصر على “خصيّ” البرنامج النووي لعله (ترامب) يعود إلى الأميركيين، كما وعد، بأحسن مما حمله السلف الذي كرهه، باراك أوباما.
تبدو إيران وقد سقطت منها ورقة مضيق هرمز، تزهو بورقة براقة جديدة: “ليس لدينا قيادة واجتهاداتنا متفرقة”. لا يُقلق الأمر واشنطن وحدها بل كل دول المنطقة التي تخشى ذلك البركان الذي هاج لعقود وبات من غير رادع أو قائد يدجّن جنونه.
تصدر عن بزشكيان أو عراقجي لغة تهدئة واعتذار، فتقابلها إجراءات الحرس وعدوانه. قد تتعامل دول الخليج مع إيران باعتبارها قوة قادرة على التفاوض، لكنها غير قادرة على ضبط جميع أدواتها.
بات العالم يدرك أن إيران لا تملك قرارا يمثل إيران. ارتأت طهران وفق هذا الواقع أن لا تحضر إلى إسلام أباد، وارتأت واشنطن عدم استئناف الحرب إلى أن تهتدي إيران المتشظية إلى قرار.




