يقول المثل المغربي: «مال باك طاح؟ قالوا: من الخيمة خرج مايل».
من هنا وجب طرح سؤال جوهري: هل تستطيع الأحزاب أن تخرج من خيمة «المعايطة» قبل 23 شتنبر، وتدخل فعلاً إلى خيمة البرامج والحلول؟.
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، كان من المفترض أن يرتفع منسوب النقاش السياسي، وأن تتنافس الأحزاب والمرشحون في تقديم البرامج والحلول والبدائل، وأن يخاطبوا المواطن بلغة المسؤولية حول ما ينتظره المغرب خلال المرحلة المقبلة.
لكن ما نتابعه، عبر وسائل الإعلام والقنوات العمومية ومن خلال الخطاب السياسي المتداول، يدفع إلى طرح سؤال مقلق: هل تحولت الحملة الانتخابية إلى موسم لـ«المعايطة»؟.
والمقصود هنا بـ«المعايطة» عند جل المغاربة: تبادل الاتهامات والتراشق بالكلام، وتعيير الخصوم بعيوبهم وأخطائهم، بدل التنافس على أساس الأفكار والبرامج والحلول.
وللأسف، يبدو أن جزءاً مهماً من الخطاب الانتخابي يذهب في هذا الاتجاه. فبدل أن يقدم كل حزب حصيلته، ويشرح ما الذي نجح فيه وما الذي أخفق فيه، ويضع أمام الناخب برنامجاً واضحاً وقابلاً للنقاش، نجد أنفسنا أمام سجال سياسي يتركز، في كثير من الأحيان، على الخصوم أكثر مما يركز على المواطن.
كل طرف يقول، بطريقة أو بأخرى: نحن الأفضل، ونحن الأقدر، ونحن من يملك الحل.
لكن المواطن يريد أن يعرف شيئاً أبسط من ذلك: ما هو الحل الذي تقترحونه؟.
«المعايطة» ليست بديلاً عن البرنامج
الاختلاف السياسي أمر طبيعي، بل هو جوهر الديمقراطية. ومن حق كل حزب أن ينتقد خصومه وأن يختلف معهم، بل من واجبه أحياناً أن يكشف مكامن الخلل في السياسات العمومية.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد السياسي المسؤول وبين «المعايطة» كأننا في الأسواق الشعبية.
النقد يقدم الحجة والدليل والبديل، بينما «المعايطة» تتحول إلى تراشق وتعيير واستعراض للأخطاء، وكأن الهدف الأساسي هو إسقاط الخصم لا إقناع الناخب. وهنا تكمن المشكلة.
فالانتخابات ليست حلبة مصارعة، والخصم السياسي ليس عدواً يجب القضاء عليه، والناخب ليس جمهوراً ينتظر جولة جديدة من التراشق بين هذا الحزب وذاك.
أين اختفى المواطن من كل هذا؟
وسط هذا السجال، يبدو أحياناً أن المواطن نفسه أصبح الحلقة الأضعف في النقاش.
المغاربة يريدون أن يسمعوا عن التشغيل، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، والاستثمار، والسكن، والنقل، والعدالة المجالية، ودعم المقاولات، وتحسين الإدارة والخدمات العمومية.
يريدون أرقاماً وحلولاً وجدولاً زمنياً لتنفيذ الوعود، وليس فقط عبارات انتخابية وشعارات سياسية.
والأحزاب التي تطمح إلى قيادة المشهد السياسي مطالبة أكثر من غيرها بأن ترفع مستوى الخطاب، لأن المسؤولية لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يمكن الحصول عليها، وإنما أيضاً بقدرة الحزب على إنتاج خطاب سياسي محترم ومقنع.
الأسوأ ليس في تدبير الانتخابات
قد تكون العملية الانتخابية نفسها ناجحة من الناحية التنظيمية والتدبيرية، لكن التخوف الحقيقي يكمن في شيء آخر: ماذا ستفرز هذه الصناديق؟.
هل ستنتج نخبة سياسية جديدة قادرة على تقديم إجابات حقيقية عن أسئلة المغاربة؟ أم ستعيد إنتاج الوجوه نفسها والخطابات نفسها والأساليب نفسها؟.
لأن البرلمان المقبل لن يكون في حاجة إلى مجرد عدد من المنتخبين، بل إلى كفاءات ونخب سياسية قادرة على التشريع والمراقبة وصناعة القرار والدفاع عن مصالح المواطنين.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي في هذه الانتخابات لا ينبغي أن يكون فقط: من سيفوز؟ بل أيضاً: من يستحق أن يفوز؟ وبأي برنامج؟ وبأي كفاءة؟ وبأي خطاب؟.
الصندوق سيحسم «المعايطة» و«الكلاشات»
في النهاية، سيقول الناخب كلمته، وستنتهي كل الخطب والمهرجانات والسجالات.
لهذا يجب أن يكون صندوق الاقتراع هو أفضل رد على كل هذه الوجوه السياسية، ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أحزاب تتنافس في البرامج لا في الشتائم، وفي الحلول لا في الاتهامات، وفي الكفاءة لا في صاحب «الكلاشات».
فإذا كانت الانتخابات محطة لتجديد النخب، فإن استمرار الخطاب على هذا النحو قد يجعل هذه الاستحقاقات من أسوأ المحطات السياسية، ليس بسبب طريقة تنظيمها أو تدبيرها، وإنما بسبب نوعية الخطاب والمرشحين والنخب التي قد تفرزها.




