آراءمنوعات
أخر الأخبار

بهجة العيد.. وجنة الطفولة

أكتب هذه المقالة في المغرب في مدينة الجديدة التي انتقل بينها ومونتريال في كندا، وقد أصبحت كل سوريا للماضي بعد ان قتل البعث الإنسان والزمان والمكان والعلم والبيئة . وهلك في الثورة مليونا وفرت جموعة مليونية هائمة على وجهها إلى أوروبا وودعت عالم الأعراب الذين أنهوا الثورة بطريقة خبيثة..

لعل أفضل من يحس بمتعة العيد هم الأطفال.وفي الإنجيل لن تدخلوا الجنة حتى ترجعوا أطفالا فتعجب الحواريين؟

وما زلت أتذكر بهجة العيد قبل أن يأتي وحزننا لانقضائه. قبل العيد كانت التحضيرات تبدأ بشراء الحذاء وتفصيل البدلة الجديدة. وكنا نحاول الصيام ويشجعنا الأهل فنصوم بقسم من النهار وأحيانا نتمه بفخر والحديث هنا عن عيد الفطر. كانت الحلويات في رمضان شهية. وكانت والدتي تهيء لنا طعاماً خاصاً ليوم العيد كان يتكون من صدر خاروف محشي بالرز(كانوا يسمونه قبرغاية = كأنها كلمة تركية حيث كانت اللغة السائدة في البيت بين الوالدين بجنب العربية) . وكانت أول زيارة لي إلى بيت جدي من أجل تحصيل العيدية. كانت حصة كل واحد ليرة فضية كبيرة .

وكانت تفعل الشيء الكثير تلك الأيام (اليوم الدولار الواحد يساوي هذه الأيام والحديث من مايو 2026 عن جوجول: سجل سعر صرف الدولار الأمريكي أمام الليرة السورية في السوق الموازي بدمشق اليوم 25 مايو 2026 نحو 13,770 ليرة للشراء و13,840 ليرة للبيع. وفي سوق إدلب، بلغ سعره 13,770 ليرة للشراء و13,840 ليرة للبيع).

كانت الباصات تقلنا إلى نزهة قصيرة بدراهم قليلة من أجزاء الليرة الفضية. كنا نأخذ الصور غير الملونة. أما تناول الثلج المجروش مع إضافة الشراب الحلو عليه فكان بقروش قليلة. أما ركب الحنطور وهي العربة السوداء التي تجرها الخيل فكانت فخمة وركبتها ربع ليرة. المهم كنا نقضي وقتا ممتعاً بين تصيد العيديات من الأهل والانطلاق إلى ساحة اللعب حيث الجو كله مزين نسمع فيه صوت الفرقعات والكل يلبس الجديد ويأكل اللذيذ. وكنا نستمتع أخيرا بأن الوالد جاء بدون أن يذهب للعمل وكان يحز في نفوسنا أن يرجع للعمل قبل أن ينتهي العيد. كنا نريده معنا محتفلاً مثلنا في كل أيام العيد وهو كان حريصاً على فتح محله قبل أن ينتهي العيد.

كان أعمامي يزوروننا ونحن ندور حولهم ننتظر أن ينفحونا بالهدايا وكانت أعطياتهم غاية في الكرم لأطفال يمسكون عشر ليرات بينهم يتقاسمونها بلهفة لينطلقوا إلى عالم البراءة واللعب والانطلاق والصراحة والتسابق في الكلام بدون تقية ومجاملة.

لماذا نتذكر الطفولة بمتعة؟ لقد أعجبني قول الممثل آل رشي إن الطفولة هي العودة إلى الجنة. ليس هذا فقط فهناك لايقل عن خمسة أمور ملهمات واحدة منها كما ذكرنا العودة إلى الطفولة، يضاف لها الانغماس في كتاب رائع أو قصة مؤثرة يخرج منها الإنسان بغير التفس التي دخلها، وأحيانا بشعور الصدمة، كما حصل معي وأنا أقرأ قصة أخر الراحلين أو اكتشاف أمريكا مسألة الآخر. عندما تدلهم الخطوب وتحلك الظلمات ويتراجع الشعور إلى زاوية اليأس فيحس الإنسان بالعدمية ينعش شعوره أمور بذاتها فتلهمه معنى المقدس وأن في داخله من روح الله الذي يعلم السر وأخفى وأن للحياة معنى. وأن الأمل في الحياة عظيم. وأن هناك لحظات خالدات منعشات في الحياة. وأنا أكتشف هذه الجزر في محيط اللامعنى والعبث والروتين والملل والكآبة بين الحين والآخر.

ومنها أمور ماذكرت الحنين الغامض واللذيذ والمنعش من (ذكريات عالم الطفولة). مضافا لها (اكتشاف العلاقات الخفية في العلم). ومنها (التعرف على شخصيات) يذكرونك ما نسيت، ويعلمونك ماجهلت؛ فتجلس بين ايديهم للتعلم فيمنحك أحدهم العظمة ومعنى الحياة. وهو ما حصل لجلال الدين الرومي عندما احتك بشمس الدين التبريزي فقال عنه إقبال: صير الرومي طيني جوهرا .. من غباري شاد كونا آخر. ومنها ذلك الانسياب المدهش من (عالم الموسيقى) فيتذكر المرء الضابط الفرنسي الذي كان في صالة يعلوها الصمت وبدأ العزف للسيمفونية الخامسة لبيتهوفن فانتصب على عقبيه وصاح بدون أن يشعر: لقد جاء الإمبراطور.

إنها لحظات العظمة والتألق والمعنى وانفلاق الإصباح. فأما (اكتشاف العلاقات الخفية) فهو شعور مقدس يدخل القشعريرة إلى الجلد مثل الكهرباء. وهو ما حصل مع أوجست كيكول وهو المحتار في تفسير ارتباط ذرات الكربون فجاءته في المنام حية تسعى ثم التفت على نفسها فالتقمت ذيلها بفمها فنهض مرعوبا من منامه وصاح إنها الحلقة البنزينية أس الحياة في الكيمياء العضوية.

ومن تلك اللحظات شامبليون وهو يغوص في أسرار اللغة الهيروغليفية مثل ممرات الهرم حتى كانت تلك الليلة حينما انكشف الغطاء عن اللغة فقام كهنة آمون فجأة وهم يضحكون ويبكون وهم سامدون يتلون قصص التاريخ وما جرى في سالف الأيام.

ومنها تلك اللحظات العجيبة التي وصفها ابن خلدون في المقدمة حين اهتدى إلى قوانين اجتماع البشر وسماها تلك الحكم القريبة المحجوبة. والإنسان لا يرى بعينه ولا يسمع بأذنه وإنما بدماغه فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

وأما (ذكريات الطفولة) فهي العودة إلى الجنة حيث لا مسئولية ولا حزن وإنما استغراق في اللعب وطول في الزمن وكأنه لانهاية له وإدراك حاد للأشياء وذاكرة ملتمعة متقدة تلتقط الأشياء فلا تضيع. ومع كل تقدم في السن تزداد الذاكرة البعيدة مضاء وحدة وتألقا ووضوحا فيرى مناظر الطفولة حاضرة تجري بين يديه اللحظة. وهنا تكتشف النفس قصر الزمن ومضاء العمر والشباب الذي تركته من خلق والإنابة إلى دار القرار وأن الحياة الدنيا متاع الغرور.

ويكتشف الشيخ تلك المتعة المتدفقة من ينبوع الشباب واستقبال الحياة وكأنها الخلد لا نهاية لها. وأقول كثيرا لبناتي الشابات الحياة قصيرة فلا تقصروها بالنكد وتمتعوا بالشباب والصحة والنشاط والحيوية.

ويبدو أن الدماغ مع الشيخوخة يفرز من المواد ما تميل بصاحبها إلى الكآبة مالم يكن ناشطا يعيش قضايا الفكر الخالدة فلا يشيخ. ومع ذلك قد يحصل تشظي وانشطار وتفسخ في شبكة الخلايا العصبية فلا ينفع مع المرض شيء كما حصل مع )نيتشه(وكانط؛ فأما الأول فانتهى إلى الجنون؛ فكان يقول لأخته التي تقرأ له أفكاره القديمة: لقد كنت أكتب مثل هذا؟ أو )كانط( الذي أصابه مرض الزهايمر فلم يعد يعرف أقرب الناس إليه، وهو الذي كتب (نقد العقل الخالص)؟

فإذا نظر المرء في المرآة رأى نفسه وقد علاه الشيب وتجعد الجلد واختفى الجمال وكبرت الآذان ونما من داخلها شعر كثيف وتحكي مفاصله من طقطقة أصواتها أن المفاصل يبست وأن رحلة الاندحار بدأت.

ومن نبع (ذكريات الطفولة) تتدفق الذكريات الجميلة المنعشة فتقول أن الحياة قابلة للارتداد وأن الآخرة هي دار القرار حيث الينبوع المتجدد للشباب. وأما (الشخصيات العظيمة) ففي حياتي أناس خالدون أعطوني معنى الحياة وأن هناك إمكانية للارتفاع إلى عتبات راقية هائلة تلهم المقدس والرائع المتجدد في الحياة.

وأستطيع أن أتصور الحواريين مع يسوع أو الصحابة وهم بين يدي رسول الله ص يقولون إذا كنا عندك رأينا الملائكة فإذا خرجنا ألهتنا أموالنا وأهلونا. وأستطيع أن أتصور وهم يبايعون الرسول تحت الشجرة وينزل القرآن يسجل اللحظة التاريخية. ويبدو أن عند البشر هذه الميزة من التأثر بالناس. ولكنها خطيرة لأنها قد تعطل ملكة النقد. ومن المهم الانتقال مثل تيار الكهرباء المتناوب بين العظمة والعادي وبين البشر العظام وتصورهم أنهم بشر ممن خلق يرتفعون في زاوية ويهبطون في أخرى وما ترى في خلق الرحمن من تفاوت.

وأما (الموسيقى) فهي ذلك الانسياب المبدع وكأن السماء تتفتح فينزل المعنى وينعش الروح وبعض أنواع الموسيقى تدخل الخشوع في المفاصل وأتفهم إلهام الحضارة الأوربية من موسيقى موزارت وباخ وبيتهوفن. فنهضة الحضارة كاملة من كل زاوية وفي كل عتبة ومستوى. وحين تصعد الروح تنحت الكلمة المتألقة من صوان الصخر وتنزل الموسيقى مثل مطر فإن لم يكن وابل فطل. واستقبل الرسول بفرقة موسيقية تتهادى على أغنية جميلة أن البدر طلع من ثنيات الجبال يطل على جمهور رأى بوصلته التاريخية تقوده في معابر التاريخ.

عندما عدت إلى مدينتي بعد غياب 17 سنة ذهبت أتحرى أماكن الطفولة قبل كل شيء. كان كل شيء قد تبدل وتحولت إلى أبنية إسمنتية قوية ولكن ليس في جمالها. هل حقا كانت البيوت القديمة أجمل وهي المبنية بالتراب.

كانت السماء أشد زرقة والهواء أنعم وألطف. كان الطعام أكثر متعة ولذة. كانت البقلاوة التي يحضرها الوالد من حلب شهية إلى درجة لا تصدق. وعندما اقتربت من الحارة التي كان فيها جدي لم تصدق عيناي بدأت أتذكر الشوارع كانت أعرض وأفسح. هذه المرة بدت لي قذرة وضيقة. وكانت لحظة الحزن حينما وصلت إلى البناء لم يبق من البيت شيء. لقد تبدل كل شيء تماما. أغمضت عيني وبدأت أتخيل الأماكن والبيوت والعائلات التي كانت تستأجر في بيت جدي القديم. وأعدها بيتاً بيتاً.

لطيفة زكية وزوجها ذو الشخير مثل صفير القطار. طبو وقطها. عزمي الدركي. وردة الخياطة الأرمنية. بيت خالي طلعت رحمه الله من أم أرمنية هي سميحة، ثم خالي يونس من ام بدوية من عشيرة طي. ثم حكو الشقي (حكمت) المغضوب عليه وقصته عندي مازالت غامضة كان يقولون ابوه نهاد مات بالسل؟ ثم لا أنس شجرة التوت الباسقة كنا نتسلقها ونأكل التوت الأبيض الحلو من الشجرة مباشرة.

وعندما فتحت عيني رأيت عالماً آخر. لقد انهدم كل العالم القديم. دمعت عيني. أن الطفولة جميلة وعذبة، وأحياناً يستولي على شعور مستغرق؛ فيمر شريط كامل من الذكريات لا أستيقظ منه، سوى فتح عيني ورؤية الواقع الذي يصدمني والذي ليس في بهجة أيام العيد القديم.

أكتب هذه المقالة في المغرب في مدينة الجديدة التي انتقل بينها ومونتريال في كندا، وقد أصبحت كل سوريا للماضي بعد ان قتل البعث الإنسان والزمان والمكان والعلم والبيئة . وهلك في الثورة مليونا وفرت جموعة مليونية هائمة على وجهها إلى أوروبا وودعت عالم الأعراب الذين أنهوا الثورة بطريقة خبيثة.

صلينا التراويح في ليلة القدر 27 رمضان من عام 2018م وتبادلنا الأفكار أنا وسعد وعبود بعد أن هاجروا من سوريا إلى كندا. قال سعد ارتعشت الصين وروسيا أن يتغلب الشعب السوري على الطاغية؛ فمدوه بكل إمكانية، أن يبقى ولو شكلا محنطا؛ فإن انتصر الشعب السوري فهي نهاية أولئك الأفاقين أن الشعوب لاتقهر. وهو ما حصل حيث دفن النظام البعثي الطائفي المقيت في 11 يوما فأصبح سلفا ومثلا للآخرين وكذلك جرت سنة الأولين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم.

https://anbaaexpress.ma/06szx

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى