آراءسياسة
أخر الأخبار

الصحراء المغربية: السيادة مشروع للمستقبل

ليست الصحراء المغربية مجرد قضية حدودية تدار في قاعات الأمم المتحدة، ولا ملفا دبلوماسيا يفتح في موسم ويغلق في آخر.

إنها، بالنسبة إلى المغرب، تجسيد لثبات السيادة ووحدة الوطن، وامتداد لذاكرة وطنية متصلة، ومشروع سياسي وتنموي يراد له أن يثبت أن السيادة لا تكتمل برفع الشعارات، بل بقدرة الوطن على حماية أرضه، وصون كرامة مواطنيه، وإقناع العالم بعدالة موقفه.

من هذا المنظور، يمكن قراءة ما شهدته اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في الخامس عشر من أكتوبر 2026.

فقد حظي النص السنوي المتعلق بالصحراء بموافقة 152 دولة، مقابل اعتراض دولتين وامتناع سبع دول.

ولا تكمن أهمية هذا المعطى في أرقامه وحدها، بل في دلالته السياسية، باعتباره يعكس استمرار حضور القضية داخل المسار الأممي، ويؤكد أن المغرب يخوض معركته الدبلوماسية ضمن المؤسسات الدولية، وبأدوات تقوم على التراكم والشرح وبناء المواقف.

وتكتسب هذه الدورة خصوصيتها من كون التصويت جرى، بناء على طلب أمريكي، على المشاريع الثلاثة والعشرين المعروضة أمام اللجنة، بعدما ظل النص المتعلق بالصحراء يعتمد، منذ عام 2006، بالتوافق. غير أن اختلاف طريقة التصويت لا ينبغي أن يحجب جوهر المسار.

فالقضايا الكبرى لا تقاس فقط بلحظة إجرائية عابرة، وإنما بما راكمته من حضور، وما أوجدته من قناعات، وما فتحته من إمكانات للتفاوض السياسي.

وفي هذا السياق، يبرز قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025، والذي جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسا للتفاوض.

وقد منح القرار المبادرة المغربية موقعا متقدما في البحث عن تسوية سياسية واقعية، وعزز حضورها في صلب النقاش الدولي بشأن الحل.

فالحكم الذاتي، في التصور المغربي، ليس التفافا على السيادة، بل صيغة مؤسسية لتدبير الشؤون المحلية، تتيح للسكان المشاركة في إدارة منطقتهم، ضمن إطار الوحدة الوطنية والترابية للمملكة.

وتكمن قوة هذا التصور في جمعه بين ثبات المبدأ ومرونة الوسيلة. فالمغرب لا يتعامل مع السيادة باعتبارها شعارا جامدا، بل باعتبارها إطارا قادرا على استيعاب التنوع، وتوسيع المشاركة، وتحقيق التنمية.

ومن هنا، يصبح الحكم الذاتي أفقا سياسيا يربط الانتماء الوطني بتطلعات السكان، ويمنح المنطقة فرصة للانتقال من منطق النزاع إلى منطق البناء.

غير أن الدبلوماسية لا تنفصل عن الداخل. فكل موقف خارجي يحتاج إلى قاعدة اجتماعية ومؤسساتية تسنده. والدفاع عن الوحدة الترابية يستمد قوته من تماسك الدولة، ومن وضوح الرؤية، ومن التفاف المغاربة حول قضيتهم الوطنية.

لكنه يكتسب أثره الأعمق حين يتحول إلى سياسات ملموسة تجعل الأقاليم الجنوبية فضاء للتنمية، وفرص العمل، وتحسين الخدمات، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.

فالوحدة لا تصان بالخطاب وحده، بل بما يلمسه الناس في حياتهم اليومية. المدرسة الجيدة، والمستشفى الفعال، وفرصة العمل، وحماية الكرامة، كلها عناصر تدخل في صميم الدفاع عن الوطن.

وكلما اتسعت المشاركة، وتكافأت الفرص، وشعر الشباب بأن لهم مكانا في المستقبل، ازدادت المناعة الداخلية، وأصبح الخطاب المغربي أكثر إقناعا في الخارج.

كما أن قوة الموقف المغربي لا تتعارض مع الانفتاح على السلام والتعاون. فالمغرب، وهو يتمسك بحقوقه الوطنية، يستطيع أن يجعل من وضوح موقفه مدخلا لعلاقات أكثر استقرارا مع محيطه.

إن شعوب المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من التوتر، بل إلى فضاء إقليمي يتيح التعاون في الاقتصاد والثقافة والتنمية، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة العيش بعيدا عن إرث الخصومات.

وفي مثل هذه القضايا، تؤدي الصحافة دورا يتجاوز نقل الأخبار. فهي مطالبة بتفسير الوقائع، وربط الأحداث بسياقاتها، والتمييز بين الثابت والمتغير، وبين الموقف الوطني والدعاية العابرة.

إن الدفاع عن قضية عادلة يحتاج إلى لغة هادئة، وحجة دقيقة، واحترام لعقل القارئ. فالإقناع لا يولد من رفع الصوت، بل من وضوح الفكرة، وتماسك الوقائع، والقدرة على تحويل الانتماء إلى معرفة ومسؤولية.

الصحراء المغربية قضية سيادة، لكنها أيضا قضية مستقبل. وكلما اقترنت صلابة الموقف بحكمة التدبير، تحولت السيادة من عنوان سياسي إلى وعد بالتنمية والكرامة والاستقرار.

ومن هذا المنطلق، يدافع المغرب عن أرضه، وعن حق أجياله في وطن موحد، وعن حق المنطقة كلها في أن تخرج من أسر النزاع إلى رحاب التعاون.

هناك، حيث تلتقي حكمة الدولة بنبض المجتمع، يصبح الدفاع عن الصحراء دفاعا عن حياة كريمة فوق أرض مغربية، وعن مستقبل تصنعه الثقة والبناء.

https://anbaaexpress.ma/z7jk7

منير لكماني

مهندس مدني خبير في الإنشاءات والطاقة كاتب مغربي من ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى