تستوجب القراءة المتأملة لظاهرة التدين في السياق المغربي الوقوف ملياً عند تلك التيارات الدعوية التي تصر على استنبات أنماط متشددة من التدين، وهي أنماط غريبة عن التربة الحضارية للمجتمع المغربي، وتعمل على تجريف خصوصيته الروحية لصالح نماذج حرفية جافة.
فكيف يساهم هذا الإصرار على التشدد في خلق هوة سحيقة بين جوهر النص وبين مقاصد الشريعة في رعاية مصالح الناس؟ وما هي الآثار المترتبة على محاولة فرض نموذج تدين أحادي اللون على مجتمع جُبل على التعددية والوسطية التاريخية؟
تكمن الإجابة عن هذه الإشكالات في إدراك أن الإسلام واحد ولا يمكن أن يوصف أو يضاف إليه شيء آخر، ولكن ما أقصده بالإسلام المغربي هو كيف يتجسد الإسلام داخل السياق الحضاري والجغرافي للمغرب، وكيف يتمثل المجتمع النص وينزله في واقع معيش تشكل عبر قرون من التراكم المعرفي والقيمي.
يظهر هذا التجسد العملي بوضوح في أنماط التدين التي نمت في المغرب عبر التاريخ، حيث نجد أن المغاربة لم يكتفوا بحفظ القرآن فردياً بل أوجدوا نظام الحزب الراتب للقراءة الجماعية التي تجمع القلوب وتضبط الحفظ وتوحد الوجدان الشعبي.
كما تبرز الخصوصية المغربية في تفاصيل العبادة اليومية وفق المذهب المالكي، كالتزام السدل في الصلاة واعتماد نغمات الآذان المغربية المؤثرة التي تختلف تماماً عن مقامات المشرق، ناهيك عن دور جامعة القرويين التي علمت الناس أن الدين ليس مجرد نصوص جامدة بل هو فهم عميق يهدف لتحقيق مصلحة الإنسان وتيسير حياته في هذا الواقع المعيش، وهي التي استطاعت هندسة فكر مقاصدي يراعي المتغيرات ويجعل من فقه العمل أصلاً في تقدير شؤون الناس وتدبير واقعهم.
فتاريخنا الفقهي حافل بالنوازل والفتاوى الحية التي التفتت لواقع المجتمع وعاداته، واعتبرت العُرف الصالح مصدراً للتيسير ومراعاة أحوال الناس المعيشية ما لم يصادم نصاً قطعياً.
ويتجلى منزلق هؤلاء الدعاة اليوم في محاولتهم استيراد فهم للدين نشأ في بيئات صحراوية أو بدوية بعيدة كل البعد عن حضارتنا، حيث يسعون لفرض تلك التقاليد الغريبة وكأنها هي جوهر الدين الحق، متجاهلين أن الإسلام في المغرب كان دائماً ديناً يبتسم للحياة ويحتضن الجمال ويستوعب الجماليات المحلية.
بينما يميل خطابهم المتشدد إلى تحويل التقوى إلى قائمة طويلة من التحريمات والقيود ومساطر من المنع التي تخنق الروح وتضيق على الناس عيشهم، فهم يحاربون تقاليدنا الأصيلة مثل الاحتال بالمولد النبوي أو تقدير الزوايا، ويظنون أنها بدع غريبة، في حين أنها تعبيرات مغربية صادقة عن محبة الدين وصهره في تفاصيل هويتنا اليومية التي تجمع بين العبادة والبهجة والارتباط بالأرض والتاريخ الروحي الصوفي الذي هذب الأخلاق وحفظ الاستقرار الوجداني للمجتمع.
فالتصوف المغربي لم يكن يوماً مجرد انعزال أو دروشة، بل كان ممارسة اجتماعية بامتياز، تجسدت في أدوار الرباطات والزوايا كمؤسسات للتكافل والإطعام والمقاومة، وصمامات أمان حمت اللحمة والوجدان الشعبي.
يكمن الذكاء المغربي في التعامل مع الدين في جعل التدين وسيلة لإصلاح الفرد والمجتمع لا عائقاً أمام تطورهم، فالإنسان المغربي البسيط يدرك بفطرته أن مذهبه المالكي يقدس العمل وما تعارف عليه الناس من خير، ولذلك فهو لا يرى أي تعارض بين تدينه وبين لباسه التقليدي أو لهجته أو عاداته الاجتماعية الموروثة، بل يراها جزءاً من مروءته وتجسيداً لروح الإسلام الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وهذا ما يزعج أصحاب الفكر المتشدد الذين يريدون فصلنا عن تاريخنا باسم نقاء عقدي مزعوم، غافلين عن أن بيوت الله في المغرب، بمآذنها وزواياها العامرة بالإطعام والذكر، كانت دائماً حصوناً تحمي الناس من التطرف وتعلمهم أن الدين يسر لا عسر، وأن الشريعة بُنيت على التيسير والجمال لا على التعسير والجمود.
تتطلب مواجهة هذه الموجات من التشدد منا اليوم العودة إلى جذورنا وتقدير خصوصيتنا التي تجعل من الاعتدال والوسطية أساساً للحياة، فهذا النموذج المغربي هو الذي ضمن لنا الاستقرار الروحي والاجماعي لقرون طويلة بفضل تلاحمه مع تاريخنا وجغرافيتنا، فإلى أي حد يمكن لوعينا الجمعي ومؤسساتنا العلمية أن تظل يقظة لحماية هذا الأمن الروحي من الخطابات الإقصائية التي لا تقبل الاختلاف، وهل تنجح أصالتنا المغربية في حماية عقول الشباب من بريق الفتاوى الجاهزة التي تأتينا عبر شاشات الهواتف لتهدم صرحاً حضارياً بنيناه بصبر وتسامح وتداخلت فيه المبادئ الشرعية مع الأعراف المحلية في نسق يضمن الاستقرار والجمال؟
تتجاوز هذه اليقظة وحماية الأمن الروحي تشخيص الداء إلى صياغة الدواء عبر خطوات عملية ملموسة، فالأمر يتطلب من مؤسساتنا العلمية والتربوية والتعليمية الانتقال بثقلها المعرفي المقاصدي إلى الفضاء الرقمي، من خلال بناء منصات تفاعلية حديثة تخاطب الشباب باللغة والأدوات الرقمية المعاصرة التي يفهمونها.
لتنزيل هذا الفقه المرن في واقعهم اليومي، فضلاً عن تجديد المناهج التعليمية لترسيخ التفكير النقدي والوعي بالتاريخ الروحي للمغرب، وبذلك ننتقل من مرحلة الدفاع والتحصين السلبي إلى المبادرة بتقديم البديل الحضاري المشرق والمستوعب لروح العصر.
يتجاوز الرهان الحقيقي اليوم مجرد الحفاظ التقليدي على موروث الماضي، بل يمتد إلى مدى قدرتنا على جعل هذا النموذج الحضاري المنفتح قوة حيوية متجددة تجيب عن أسئلة العصر وتحمي الأجيال القادمة من مغبة الاغتراب الروحي والفكري، مما يضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية مشتركة تستدعي التفكير العميق في آليات تجديد هذا الصرح.
فكيف يمكن لهذا التدين المغربي الأصيل، بمرونته المقاصدية وأبعاده الصوفية والاجتماعية العميقة، أن يظل منبعاً ملهماً لتقديم إجابات إنسانية واثقة تعيد صياغة علاقة المسلم بمتغيرات العالم المتسارعة دون أن يفقد نبضه الحضاري الخاص؟




