أفريقيامنوعات
أخر الأخبار

معركة أنوال.. ملحمة الريف التي هزّت عرش الاستعمار

هناك وُلد محمد بن عبد الكريم الخطابي، الرجل الذي سيقود لاحقًا إحدى أروع صفحات المقاومة في التاريخ. لم يكن زعيمًا تقليديًا، بل مثقفًا درس في القرويين وتوليدو، متشبعًا بالثقافتين العربية والإسبانية..

شادي منصور

في صيف عام 1921، حين كانت أوروبا لا تزال تمسح غبار الحرب الكبرى عن وجهها، كانت في أقصى شمال المغرب نارٌ أخرى تشتعل.

في جبال الريف الوعرة، حيث يتشابك الحجر بالشجر، وحيث لا يعرف الرجال معنى الاستسلام، كانت ولادة معركة ستدوّن اسمها في سجل التاريخ تحت عنوان لا يُمحى: أنوال.

لم تكن معركة كغيرها، بل كانت صرخة أمة في وجه الاستعمار، وولادة وعي جديد بأن الحرية تُنتزع ولا تُمنح.

منذ أن فُرضت الحماية الإسبانية على شمال المغرب عام 1912، سعت مدريد إلى بسط سلطتها على المنطقة بالقوة والعنف.

لكن الريف لم يكن أرضًا سهلة المنال، فوعورة الجبال وتماسك القبائل واعتزازها بحريتها جعلت إخضاعها مهمة تكاد تكون مستحيلة.

هناك وُلد محمد بن عبد الكريم الخطابي، الرجل الذي سيقود لاحقًا إحدى أروع صفحات المقاومة في التاريخ. لم يكن زعيمًا تقليديًا، بل مثقفًا درس في القرويين وتوليدو، متشبعًا بالثقافتين العربية والإسبانية، جمع بين فكر القاضي وحكمة السياسي وبراعة القائد العسكري.

أدرك الخطابي أن الصراع مع الاستعمار لا يمكن أن يُكسب بالعشوائية، وأن التنظيم والعقل هما السلاح الحقيقي في مواجهة الجيوش الحديثة.

بدأ الخطابي في توحيد قبائل الريف المتفرقة، وغرس في رجالها روح الانضباط والإيمان بالمصير المشترك. كانت دعوته واضحة: الدفاع عن الأرض والعرض والكرامة، من دون عدوان أو فوضى.

في المقابل، كانت القوات الإسبانية بقيادة الجنرال مانويل سيلفستر تتقدم ببطء في عمق الأراضي الريفية، متجاهلة التحذيرات.

كان سيلفستر يرى في نفسه وريثًا لمجد الإمبراطورية الإسبانية، معتقدًا أن بضعة آلاف من “المتوحشين” لن يصمدوا أمام جيش مدجج بالمدافع والطائرات. لكن غروره كان أعظم أخطائه.

في فجر السابع عشر من يوليو 1921، كان ما يقرب من عشرين ألف جندي إسباني ينتشرون في منطقة أنوال، منهكين من الحر والعطش وسوء الإمداد. كانت الجبال المحيطة صامتة، كأنها تخبّئ في أحشائها شيئًا عظيمًا.

وما إن ارتفعت الشمس حتى دوّى الرصاص من الجهات كلها. خرج المقاتلون الريفيون من بين الصخور، يعرفون كل شبر من الأرض التي يقاتلون عليها.

قطعوا طرق الإمداد، هاجموا مؤخرة الجيش، واستغلوا كل خطأ تكتيكي ارتكبه الإسبان. كانت معركة أنوال صدامًا بين الإيمان والتغطرس، بين من يدافع عن وطنه، ومن يحارب لأجل شرف زائف.

في غضون ساعات، تحولت صفوف الجيش الإسباني إلى فوضى عارمة. قُتل الضباط أو فرّوا، وتراجعت الوحدات بلا قيادة. حاول سيلفستر الهروب، لكن الطوق كان قد أُغلق.

وبينما كان آلاف الجنود يسقطون في الوديان والسهول، كان الريفيون يتقدمون بثبات، يجمعون غنائم الحرب من مدافع وبنادق لم يملكوا مثلها من قبل. يقال إن الجنرال الإسباني، حين أدرك فداحة الكارثة، أطلق النار على نفسه، رافضًا أن يرى انهيار جيشه.

خلال أيام معدودة، كانت أكثر من ثلاثة عشر ألف جثة متناثرة في الميدان، في إحدى أفظع الهزائم التي مُنيت بها قوة استعمارية في القرن العشرين.

ذلك النصر لم يكن وليد الصدفة. فقد أظهر عبد الكريم الخطابي قدرة نادرة على القيادة والتخطيط. لم يكن يعتمد على الحماسة وحدها، بل على استراتيجية دقيقة تجمع بين حرب العصابات والمناورة السريعة واستغلال التضاريس. لقد أدار المعركة بعقل القائد الميداني وبفكر رجل الدولة.

وبعد النصر، لم يدعُ إلى الانتقام أو السلب، بل دعا إلى الوحدة والتنظيم، مدركًا أن النصر العسكري لا يكتمل إلا بمشروع سياسي يضمن استمراره.

وهكذا، أعلن في عام 1923 قيام جمهورية الريف، دولة ناشئة ذات مؤسسات إدارية وقضائية وجيش وطني. أرادها أن تكون أنموذجًا لدولة عربية – أمازيغية حديثة، تحكمها العدالة ويصونها القانون.

لكن هذا الحلم لم يَرُق للقوى الاستعمارية. فإسبانيا التي تلقت ضربتها الموجعة لم تنسَ، وفرنسا التي كانت تراقب بقلقٍ صعود هذا الكيان الجديد خشيت أن يمتد اللهيب إلى مناطقِ نفوذها.

كان قيام جمهورية مستقلة في شمال المغرب تهديدًا مباشرًا لمصالح أوروبا الاستعمارية في إفريقيا. لذلك، اجتمعت القوتان عام 1925 على خطة القضاء على الخطابي ومشروعه، فأطلقتا حملة عسكرية ضخمة لم يشهد مثلها التاريخ الحديث.

أكثر من ربع مليون جندي فرنسي وإسباني اجتمعوا لقصف الريف من البر والبحر والجو، مستخدمين وللمرة الأولى في تاريخ إفريقيا الغازات السامة والأسلحة الكيماوية ضد المدنيين.

كانت مأساة إنسانية بالمقاييس كلها. ومع ذلك، صمدت المقاومة أشهرًا طويلة، تقاتل بإيمانٍ يتجاوز حدود الممكن، حتى اضطر عبد الكريم في نهاية الأمر إلى الاستسلام سنة 1926 حقنًا للدماء، بعد أن أدرك أن ميزان القوة صار مختلًا تمامًا.

ومع أن الجمهورية سقطت، فإن معركة أنوال لم تُهزم. لقد بقيت رمزًا خالدًا في ذاكرة المغاربة والعرب جميعًا. كانت المرة الأولى التي يُهزم فيها جيش أوروبي حديث على يد مقاومة محلية في إفريقيا، والشرارة الأولى التي تُشعل وعيًا جديدًا في وجدان الشعوب المستعمَرة. لقد علّمت أن النصر لا يحتاج إلى عتاد ضخم، بل إلى إرادة صلبة وإيمان بعدالة القضية.

في الصحف العالمية، كتب المراسلون بدهشة عن هذا الانتصار الذي “هزّ إسبانيا من جذورها”، وفي العواصم العربية، تناقل الناس اسم الخطابي بإجلال، ورأوا فيه بطلًا يجسد روح المقاومة الحديثة.

واليوم، بعد مرور أكثر من قرن على أنوال، ما تزال تلك المعركة تحمل معناها الكامل: أن الحرية لا تُقاس بالسنوات، ولا تُقهر بالقنابل، وأن جبال الريف كانت – وما زالت – شاهدة على أن الشعوب، مهما ضعفت، قادرة على أن تصنع من صخورها أسطورةً تخلّدها الأجيال. في صمت تلك الجبال، يتردّد صدى أبطالها وكأنهم يقولون للعالم:

إن الأرض التي تُروى بالدم لا تموت، وإن الكرامة التي تُولد من المعاناة لا تزول.

https://anbaaexpress.ma/yjrg8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى