حتى تحكم حكماً صحيحاً على مواقف المصريين من الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران، يلزمك أن تعرف كيف يفكر المصريون، وحتى تعرف كيف يفكر المصريون يلزمك أنت تفكر كما يفكرون وهذا مُحال أو صعب صعوبة كبيرة على أقل تقدير، إذ كل شعب له إطاره الذهني والشعوري الذي يمثل مرجعيته الكامنة تحت الجلد وفي تلافيف العقل الباطن كما في أعماق الروح، والمصري قديم أي حضارته قديمة أو – بالتحديد – هي مع حضارة بين النهرين دجلة والفرات الأعرق بين حضارات الشرق القديم.
ومن بعد المصريين بعدة آلاف من السنين، توالت بالترتيب حضارات الفرس ثم الإغريق ثم الرومان ثم العرب مع الإسلام، وفي داخل الإسلام تم تبادل مواقع التأثير بين العرب والبربر والفرس والكرد والترك، وعلى مدار خمسة عشر قرناً من تاريخ الإسلام، كانت مصر إما أن تكون الركن الأهم في صرح الخلافة، وإما تكون خلافة منافسة لبغداد تزاحمها على السيادة ثم تحاصرها من كل الجهات.
ثم في العصر الحديث كانت مصر تسبق كل شركاء الإقليم، حيث كانت مركز إمبراطورية صاعدة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بينما كانت إمبراطورية القاجار في هضبة فارس تتحلل وينخر فيها السوس.
كما كانت إمبراطورية آل عثمان يؤول بها العفن والفساد إلى انحلال لا علاج له. وعند مطلع القرن العشرين كانت فارس ومصر وتركيا والهند والصين تؤذن بميلاد جديد وبعث جديد، تسابقت فيها الشعوب لتنفض عن نفسها غبار الهيمنة الغربية المذلة.
في هذا الإطار التاريخي يرى المصريون أنفسهم، المصريون أبناء التاريخ وأصحابه ورفقاؤه يستبطنونه كما يستظهرونه، لا يمكنك فهم العقل المصري دون أن تقف على هذه الحقيقة، تُخطئ لو حاولت أن تُقيم وتقيس المصري بمعايير ومقاييس مثل الوضع الطبقي أو مستوى الدخل أو الدرجة التعليمية أو محل الإقامة، هذه مقاييس تصلح للتعرف على المصريين كأفراد أو طبقات أو انتماءات فرعية، لكنها لا تصلح أبداً لفهم المصريين في جملتهم وفي مجموعهم كقوة شعور وضمير وتفكير وحضور لحظي آني في معامع الأحداث العاصفة على مدار الساعة في عالمنا هذا المتقلب المضطرب.
المصريون في مواجهة التاريخ وحدة واحدة، أمة واحدة، يقومون قيامة واحدة، لديهم استجابة غريزية واحدة، إذا استشعروا الخطر الجسيم القريب على وجودهم الجمعي، هنا يتساوون، هنا تتلاشى مؤقتاً، وما دام بقي الخطر قائماً، كل ما بينهم من فروق طبقية واجتماعية وسياسية وثقافية وتعليمية، لدى المصريين- ساعة الخطر- قدرات فائقة خارقة على أن يرتفعوا ثم يتساموا فوق خلافاتهم وفوق فقرهم وفوق شكواهم من حكامهم وفوق إحساسهم الدفين بالظلم المتوارث عبر الأحقاب وعبر القرون، هذه غرائز مصرية مصيرية كامنة في الجينات الذهنية والشعورية منذ جمعتهم مخاطر الفيضان ثم مخاطر الغزاة ثم مخاطر المجاعات ثم عسف الحكام وجور الظلمة من رجال الإدارة والكهنة معاً.
بهذه الغرائز الكامنة في الشعور والعقل والروح والضمير منذ آلاف السنين، يستجيب المصريون للتحديات الجسيمة في الإقليم، في أي مكان قريب أو بعيد من الإقليم، كأنها، بل على أنها بالفعل، تتحدى وتداهم كل فرد منهم في أمانه وفي وجوده وفي بقائه، هذا هو قَدَرُ المصريين.
كما شاءت الجغرافيا وكما استجاب لها التاريخ حيث الحقيقة الأكبر: مصر صحراء بالمعنى المكتمل لكلمة صحراء، يخترقها من جنوبها إلى شمالها نهر واحد وحيد، منابعه هناك في مكان بعيد، الأرض والبشر والشجر وكل كائن حي مرهون بهذه المعادلة الملغزة: نحيا بماء يقطع رحلة طويلةً حتى يصل إلينا، تعودنا عبر آلاف السنين انتظاره في موعده، يفيض أو يغيض، يرضى أو يغضب، يروي أو يُغرق.
ثم هذه الصحراء بالتقائها بهذا النهر تتحول عبر عبقرية البشر إلى واحة خضراء وسط إقليم بطبعه صحراوي جاف فقير، فيزحف البائسون منه على هذه الواحة الخضراء تسللاً أو غزواً، أسراب من الجراد البشري جاء بهم الجوع، أو أسراب من الغزاة جاء بهم الطمع. المصري منذ دخل التاريخ وهو جزء مما حوله، فإما يكون غازياً، حتى يرد الخطر في مهاده، وإما يركن إلى الغفلة، فيصحو على جلبة الغزاة في عقر داره.
المصري لم تكن عنده في أي من فترات تاريخه رفاهية النوم المطمئن لجواره في الإقليم، الواحة الخضراء كانت دائما محل أطماع أهل الرمال الصفراء من حولها.
ثم أدرك المصريون بمرور الزمن واكتساب التجارب، أن أمنهم ليس فقط داخل واحتهم، أمنهم من أمن الإقليم، ففي كل مرة دلفت أقدام الغزاة إلى ناحية من الإقليم، فإن خطره يمتد إلى كل النواحي، لم يحدث منذ الصليبيين ثم المغول ثم الغرب الحديث من نابليون حتى ترامب مروراً بالصهيونية، لم أن يحدث أن توقف الخطر عند بقعة واحدة محدودة من الإقليم.
هذا الوعي الإقليمي واحدة من الغرائز التاريخية الكامنة والحاضرة بقوة في وعي المصريين الفطري التلقائي دون توجيه ودون تلقين، يصحو وعيهم الغريزي وينبعث من مكمنه في ثوان معدودات، إذا ما حل بالإقليم خطر: عند مطلع القرن العشرين فتح المصريون أبواب بلدهم للثوار من أجل الدستور في فارس، كما أمثالهم في تركيا، كما أمثالهم في الشام، كما أمثالهم في شمال إفريقيا.
تجاوب المصريون مع الأمير عبد الكريم الخطابي في المغرب، ومع عمر المختار في ليبيا، ومع الشيخ الحسيني في فلسطين، ومع ثورة الجزائر، على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين كان المصريون مع كل همة شريفة تقف في وجه الاستعلاء الأوروبي، وعلى هذا تشكل العقل والشعور والضمير والوجدان المصري المعاصر، وعي منحاز غير محايد، وعي صاحب قضية غير سلبي، وعي مهموم غير متفرج، وعي صاحب مصلحة يعرف أن سقوط أي بلد في الإقليم تحت قبضة الغزاة، سوف تكون له بالضرورة تداعيات خطيرة على مصر ذاتها، بما أنها قلب المنطقة سواء بمعايير الجغرافيا أو التاريخ.
أقرب الأمثلة من الوعي المعاصر:
1 – عندما تنافست بريطانيا وفرنسا على استعمار الهند، كان لا بد من السباق بينهما من أجل السيطرة على الطريق إلى الهند، وهذا معناه وضع اليد سواء بالاحتلال المباشر أو غير المباشر على كافة البلدان التي تقع في طريق الهند، وهي: مصر، والشام، والعراق، وأفغانستان، وإيران، وبالفعل تم إخضاع كل هذه البلدان واحدةً وراء الأخرى لسيطرة الطرف الأقوى، وهو بريطانيا.
2 – عندما حلت لعنة الصهيونية على أرض فلسطين، كان نصيب مصر أن تدفع من عمرها ثلاثين عاماً من الحروب، جرى فيها احتلال سيناء مرتين، كما جرى احتلال أراض عربية أخرى.
3 – عندما قررت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إعادة تشكيل الشرق الأوسط- عبر الفوضى الخلاقة- عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عند مطلع القرن الحالي، تم إسقاط عدد كبير من أنظمة الحكم قصداً وعمداً، تركت الإقليم كله في حالة من الفوضى العارمة، سوف تستمر حتى نهاية القرن الحالي.
……………………………………..
يخطئ من يظن أن المصريين مع إيران ضد الخليج، فبكل المعايير يدرك المصريون أن الروابط بينهم وبين الخليج أكثر كثيراً جداً من الروابط بينهم وبين إيران، لكن المصريين- بالغريزة- يعطون الخطر الصهيوني الأمريكي درجة الأولوية، باعتباره الخطر الجسيم الذي لا يهدد إيران وحدها، لكن يهدد الخليج كذلك، كما يهدد مصر، فهو تهديد عام لا يستثني مكاناً من هذا الإقليم الذي يمثل حضارة مشتركة لا مكان فيها للصهيونية أو الاستعمار الأمريكي.
المصريون ليسوا مع إيران بما يعني أنهم ضد الخليج، هذه مغالطة كبرى، المصريون مع إيران ومع الخليج ومع أنفسهم ومع الإقليم ضد الخطر الذي تمثله الصهيونية سواء في طبعتها الإسرائيلية أو في طبعتها الأمريكية.




