في الأيام الأخيرة استنتجت الجماعات المرتبطة بإيران بأن السعودية غيّرت من مقارباتها السابقة وتفرض قواعد اشتباك جديدة
جاءت الضربات السعودية الأخيرة ضد مواقع للحوثيين في الحديدة، ثم المشاركة في استهداف مواقع لميليشيات موالية لإيران في شرق العراق، لتكشف أن المملكة تتعامل مع “الساحات” داخل مشهد أخطار واحد.
فالهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض، والمنطلقة من الأراضي العراقية، دفعت الرياض إلى التعامل مع العراق بوصفه امتداداً لمسرح التهديد، تماماً كما هو الحال في اليمن.
معنى ذلك بأن السعودية تغادر مرحلة لها قواعدها وقوانينها وتنتقل في مواجهة الأخطار إلى مرحلة جديدة لها أصولها ومنطلقاتها.
شهدت الأيام التي سبقت الرد تصعيداً متزامناً من أكثر من ساحة حين تعرضت المملكة لهجمات متكررة من الحوثيين، بالتوازي مع موجة مسيّرات من العراق.
لا صدفة. المشهد يعكس تنسيقاً عملياتياً بين أذرع متعددة ما يعزز القناعة بأن الاكتفاء بإسقاط المسيّرات لم يعد كافياً وصار يُفهم خطاً، وأن الردع يتطلب الذهاب إلى مصادر التهديد نفسها واستهدافها، حتى وإن كانت خارج الحدود.
لافت أن الرياض تتحرك داخل مشهد ليس بعيدا من الصراع الحالي مع إيران من دون أي انخراط به. لعب التنسيق مع الولايات المتحدة، عبر القيادة المركزية “سنتكوم”، دوراً حاسماً في فرض قواعد الاشتباك الجديدة.
فالضربات التي استهدفت مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة في شرق العراق حملت بعداً سياسياً لافتا، يعكس مستوى متقدماً من التعاون العسكري المعلن بين الرياض وواشنطن أتاح للسعودية هامشاً أوسع للتحرك وفق هندسة تقنية وسياسية واسعة.
تكمن أهمية التحول في توقيته السياسي متزامنا مع حراك دبلوماسي لافت في العراق. تعهد رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال زيارته إلى واشنطن، بنزع سلاح الجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة.
أعقب تلك الزيارة وذلك الالتزام زيارة الزبيدي إلى طهران ثم أنقرة لخلق بيئة إقليمية سمحت للرياض بالتحرك دون أن تبدو وكأنها تقوض الدولة العراقية، بل تدعم مسار استعادة الدولة لسيادتها. حتى ان الرئيس ترامب كشف أن “ضربات العراق تمت بالتنسيق مع حكومة بغداد”.. وهذا قلب التحوّل.
بالمقابل قالت مصادر سعودية إن المملكة عرضت على العراق أدلة واضحة عن هجمات بمسيرات من داخل أراضيه. ولفتت مصادر أخرى إلى أن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي كان حمل في زيارته إلى بغداد رسالة إلى السلطات العراقية من قادة مجلس التعاون تؤكد أن دول المجلس تملك صوراً ووثائق تثبت أن الهجمات على دول المجلس انطلقت من داخل الأراضي العراقية.
تبعث رسائل الرياض في العراق رسالتين. واحدة إلى الميليشيات بأن استخدامها كأداة لن يمر دون كلفة، وإلى بغداد بأن المملكة تقف إلى جانبها في مسعى ضبط السلاح المنفلت.
وتبعث الرياض رسالة ثالثة إلى طهران بأنها من خلال استهداف “الأذرع” تستعد لتموضع جديد تنقل فيه الحرب إلى أي تمدد إيراني في المنطقة مهدّد لأمن المملكة. وفي الرسالة الأخيرة تتجنب الرياض في خطابها الرسمي تحميل إيران المسؤولية المباشرة، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، على كنوال تواصل وزيري خارجية البلدين في ذروة التصعيد.
في اليمن لا يختلف المشهد كثيراً. فالضربات التي استهدفت مواقع حوثية مرتبطة بتهديد الملاحة في البحر الأحمر جاءت في سياق تثبيت خطوط حمراء تتعلق بأمن الممرات البحرية. ومع أن المملكة خاضت سنوات طويلة من الحرب في اليمن، إلا أن تحركها الحالي يبدو أكثر انتقائية، يركز على القدرات الهجومية التي تمس الأمن الإقليمي، بدلاً من الانخراط في مواجهة مفتوحة على كل الجبهات.
فالمملكة التي اختبرت كلفة الحروب الطويلة، تسعى اليوم من خلال الدبلوماسية والضربات الدقيقة إلى تجنّب التصعيد واحتواء شططه.
لا نعرف هوية أصحاب القرار في تحريك “الأذرع” في طهران. واشنطن نفسها متخبطة في تشريح مشهد القيادة الجديدة في إيران حتى أن الرئيس الأميركي بات يشكك في وجود “مرشد” هناك.
لكن ما يصدر عن طهران ما زال يوحي بالحرص على خفض للتصعيد مع الرياض والنأي بنفسها ولو صوريا عن “سوء تقدير” ميليشياتها. غير أن بوصلة تحرّك “الأذرع” ستفرج عن وجهاتها من خلال ردود فعل تلك “الأذرع” على الرد السعودي الجديد.
لكن بغضّ النظر عما سيصدر عن “وكلاء” المركز، فحريّ أن نقرأ تحوّلات الردع السعودية بصفتها أعراض لها ما بعدها في موقف البيت الخليجي والمحيط العربي والإسلامي من ظاهرة إيران وعبثها.



