يرسم تقرير صحفي فرنسي ملامح واقع ليبي يتجاوز منطق الصراع التقليدي على السلطة، ليكشف عن أزمة أعمق تمس جوهر الدولة نفسها، حيث لم يعد الانقسام محصورًا بين حكومات متنافسة، بل امتد ليشمل تفكك الحدود الفاصلة بين المؤسسات الرسمية والتشكيلات المسلحة، خصوصًا في مناطق الغرب الخاضعة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، التي فقدت منذ فترة شرعيتها السياسية دون أن تفقد أدوات النفوذ.
وبحسب ما أوردته صحيفة لوكوريي أنترناسيونال، فإن العاصمة طرابلس تعيش حالة سيولة أمنية دائمة، إذ باتت المدينة موزعة فعليًا بين قوى مسلحة متناحرة، لكل منها مجال نفوذ خاص، في مشهد يعكس غياب سلطة مركزية قادرة على فرض القرار أو احتكار القوة.
ويشير التقرير إلى أن ما يُفترض أنها حكومة لم تعد تمارس وظائف الدولة، بل تحولت إلى طرف ضمن شبكة مصالح مسلحة، تعتمد على المال والتحالفات الهشة لضمان استمرارها.
ويبرز التقرير أن المنشآت الاستراتيجية، وعلى رأسها مواقع إنتاج وتكرير النفط، خرجت عمليًا من سيطرة الدولة، لتصبح أدوات ضغط بيد قادة مجموعات مسلحة، تمارس نفوذًا يفوق في تأثيره القرارات الرسمية.
ولم يعد الصراع، وفق المصدر ذاته، مرتبطًا بالحسم العسكري بقدر ما يقوم على القدرة على تعطيل الاقتصاد وابتزاز المؤسسات، وهو ما جعل الثروة النفطية ورقة تفاوض أساسية في يد الفاعلين المسلحين.
ويذهب التقرير أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن أطرافًا دولية ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تكريس هذا الواقع، من خلال تعاملها البراغماتي مع الميليشيات، سواء عبر صفقات أمنية تتعلق بالهجرة غير النظامية أو عبر منح هذه القوى اعترافًا ضمنيًا باعتبارها سلطات أمر واقع.
كما يلفت إلى أن قوى إقليمية ودولية، من بينها تركيا وروسيا ومصر، لا تنظر إلى ليبيا كملف استقرار بقدر ما تراها ساحة مصالح مفتوحة، ما يعمّق الانقسام ويحوّل التشكيلات المسلحة إلى أدوات نفوذ بالوكالة.
وفي قراءته للمسار السياسي، يعتبر التقرير أن الحديث عن الانتخابات لم يعد يحمل أفقًا حقيقيًا للحل، بل يُستخدم كآلية لشراء الوقت وتأجيل الصدام، في ظل قناعة راسخة لدى جميع الأطراف بأن نتائج أي اقتراع ستظل رهينة لمعادلات السلاح. وفي الوقت الذي تدير فيه الميليشيات توازنات النفوذ بمنطق بارد، يتحمل المواطن الليبي كلفة الانهيار اليومي، من أزمات معيشية خانقة إلى تراجع كامل لسلطة القانون.
كما ينتقد التقرير أداء الأمم المتحدة، معتبرًا أنها فقدت وزنها كوسيط فعّال، وتحولت إلى فاعل هامشي يكرر مقاربات إجرائية دون القدرة على التأثير في جوهر الصراع، في ظل عجز مبعوثيها عن فرض مسار سياسي ملزم.
ويخلص التحليل إلى أن ليبيا لم تعد تمر بمرحلة انتقالية عابرة، بل دخلت في نمط حكم جديد قوامه الفوضى المنظمة، حيث يجري تطبيع غياب الدولة وتحويله إلى واقع دائم.
وفي هذا السياق، تبدو البلاد وكأنها تجربة مفتوحة لإعادة تعريف الدولة المنهارة، في ظل سعي قوى السلاح والقبيلة إلى تثبيت وضع يخدم مصالحها، حتى وإن كان ذلك على حساب فكرة الدولة نفسها.





تعليق واحد