ما زلت أتذكر فيلم (لوريل وهاردي) الفكاهي في معركة نشبت بين السمين والنحيف، وابتدأ الأمر بتراشق الكلمات العنيفة، ثم تبادل النظرات السامة، ثم بالتدمير المتبادل، فلم يبق في النهاية شيء من البيت، ولم يكن أمامهما إلا أ ن يبيتا في العراء وهما سقيمان.
الحرب اذن جنون وجريمة وإفلاس أخلاقي..
هذا ما قررته محكمة نورمبرغ منذ عام 1946م.
وفي الحرب تسقط الحضارة الإنسانية ضربة واحدة، وتنتهك كل المحرمات فلا يبق حصانة لدم وعرض ومال وكرامة وعقل؛ وإلا هل يعقل أن يبقى الإنسان إنسانا، وهو يقتل أخيه الإنسان باسم الله والقومية والصهيونية والوطنية والبعثية والنازية والفاشية..
إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان..
وفي صيف 2006م غطت سحب الحرب مجددا سماء لبنان، المنكوب بألف ملة ونحلة وحزب وزعيم مفتول الشوارب أو طويل اللحية. وتم تبادل القصف مع إسرائيل، كما جاء في الفيلم الفكاهي، بفارق أن ذراع إسرائيل الجوية أطول ودعم أمريكا لها بدون حدود. وحاليا تكرره في غزة على نحو أبشع ويزعق نتن ياهو بحلمه في احتلال كامل الشرق الأوسط كما حلم هتلر من قبل.
أما زعيم حزب (الرب).. كذا؟ فكان يهدد بأنه يملك أسلحة سرية لم يفصح عنها، كما كان هتلر في نهاية الحرب العالمية الثانية يصرح، وهو يعرف أنه باتجاه النهاية المحتومة. أو ربما لم يصدق بكل بساطة. حتى انقضى أمره وانطفأت شمعته.
وفي كلمة حزب (الرب) مصادرة لله بالإضافة إليه، أي أن الله نزل إلى الأرض وتمثل في بشر وحزب، فزعيم الحزب شكله بشري ولكن لسانه إلهي، وطالما كان الله هو المتحدث، فما بالله من أحد طاقة للمواجهة.
وفي الطب يوجد مرض خطير هو (السعار أو الكَلَب Rabies) تنتقل عدواه بالنهش والعضاض، فإذا ظهرت الأعراض على الحيوان فنهش آخرا أصيب بالمرض، ومن ظهرت عليه أعراض المرض مات مع كل علاج ولقاح، وخير العلاج عدم التعرض للعضاض، وقد ينفع مصل اللقاح في فترة الحضانة قبل ظهور الأعراض، وهو مصل توصل باستور الفرنسي لتركيبه، بعد أن رأى مرضا يلتهم الأطفال بدون ذنب.
والحرب هي سعار (ريبس Rabies) من نوع اجتماعي.. يفتك بالمدنيين قبل العسكريين المجرمين..
وقصة الكونت دراكولا (الدموي) من بلد تشاوسيكو هي من هذا النوع، فهو ينهض من المقابر ليغرس أنيابه في عنق الضحايا، ليتشربوا منه المرض؛ فيتحولوا إلى أشباح هائمة في الظلام، لا هم لها إلا اختيار ضحايا جدد، وجلهم من الشباب، لينخرطوا في حزبه الدموي..
وكذلك الحرب فهي من حزب دراكولا ومرض السعار ومن احتكر كلمة الله لنفسه..
وحسب عالم النفس السلوكي (سكينر) في كتابه (تكنولوجيا السلوك الإنساني Beyond Dignity and Freedom) فإن الحروب أفكار في الرؤوس قبل أن تستخدم الفؤوس والسواطير لسفح الدم الحرام.
والحرب ظاهرة صيفية، فالطبيعة تلتهب، كما كان الشتاء موسما للموت، والربيع ولادة واخضرارا، والخريف إعلانا للنضج..
كذلك نشبت الحروب مع جنون الطبيعة ولهيبها، ومنها ماكان في حرب لبنان في صيف 2006م، ثم انخرط حزب الرب في قتل السوريين مع اندلاع الثورة ضد النظام الأسدي البغيض، كما كانت سراييفو من قبل شرارة الحرب الكونية الأولى في الصيف، من حيث لم يحسب الجنرالات المعتوهين، أنها في أحسن الأحوال هي لمدة أربع أسابيع.
كما قال البريطاني (كيتشنر)، أو كما حسب ذلك الجنرالات المعتوهين في بداية الحرب الأهلية الأمريكية، فأحضروا زوجاتهم (للفرجة) كما كان يفعل الجنرالات الرومان المجرمين في إحضار عائلاتهم لرؤية المجالدين في الكولوسيوم، ليروا المنكودين الأشقياء ينحر ويبقر بطن وصدر أحدهم للآخر، وهم يحتسون الخمرة وينقلبوا إلى أهلهم فكهين.
والمجانين من البشر كثيرون، ولكنهم ليسوا خلف القضبان أو في المصحات العقلية، بل يقودون الشعوب ويشنون الحرب بأسماء شتى قومية ودينية وإيديولوجية.. ويتسمون بآية الله بشحمه ولحمه..
و(غاستون بوتول) وهو جنرال سابق اعتبر في كتابه (عن الحرب) أن ظاهرة الحرب مرض أشد من كل الطواعين التي حصدت المدن، فالحرب فتكت بالبشر أكثر من كل الأمراض، ومع ذلك فليس لها معاهد ومخابر لدراسة مثل هذه الظاهرة المزلزلة؛ فقرر أن يقوم بهذا الشيء، ليكتشف 360 نزاعا مسلحا في القرنين الفارطين، أهلك 80 مليونا من الأنام، وهو ما لم يفعله السعار والكلب وكل جراثيم الأرض وفيروساتها. (مجموع الحروب خلال 2500 سنة 10624 حربا فتعالى الله عما يصفون ولو شاء الله ما اقتتلوا لوكن الله يفعل مايريد)
وطبعا كلماتنا وتحليلنا لا ينفع بشيء، وأوروبا جربت كل أنواع الحروب، الدينية والقومية والعالمية؛ الدينية في حرب الثلاثين عاما (1618 ـ 1648)، حيث هلك 6.5 مليون ألماني من أصل 20 مليون من السكان. ولاننس الحرب القومية في حرب 1870 م بين المانيا وفرنسا وسواها. والعالمية غنية عن الذكر، فقد سمع بها كل إنسان. ولكنها اليوم ودعت الحرب لتنخرط في أعظم وحدة إنسانية بـ 27 دولة تضم 450 مليوناً من الأنام.
وكل مواعظ الأنبياء لم تفعل شيئا، وما غيَّر عقلية البشر كانت تجربة السلاح النووي عام 1945م، الذي أعلن أنه لا حرب بعد اليوم، ومعها ماتت مؤسسة الحرب، والغرب والشرق يعلم ذلك إلا العرب واليهود. والغرب يضحك على العرب واليهود وهم يسلقون في طنجرة بخارية واحدة. ومن مات غير مأسوف عليه من أي طرف كان، وهو إفلاس أخلاقي لكل الأطراف، من شارك في الحرب ومن موَّن ومن سعى لها بخيل وركاب، والكل في الإثم سواء..
إن حزب الرب ومن وراءه ارتقوا يوما المرتقى الوعر، في صيف 2006م، والحل بسيط وهو بين العرب، فالصراع العربي العربي هو الجوهري، وهو بؤرة التناقض الأساسية. أما الصراع العربي الإسرائيلي فهو الهامشي والجانبي وغير الجوهري..
أنا مواطن عربي ولكنني غسلت يدي من وطني مع أنني بنيت لنفسي فيلا في أجمل منطقة، ولكن ما قيمة المناخ مع مخابرات يراقبون عن اليمين والشمال عزين، وتقارير سرية تكتب على مدار الساعة، واعتقالات على الكلمة، أو حبس سنتين ونصف على إرسال مقالتين ونصف للمعارضة في الانترنت، في رسالة واضحة أنه لا مرحبا بك في وطنك. حتى آذن الله بالخلاص لسوريا من النظام الأسدي البغيض ولكن بكلفة 2 مليون قتيل وهجرة نصف الساكنة 15 مليونا من الأنام.
هل يمكن أن نفهم ؟؟ أليس منا رجل رشيد؟؟؟ فنعلم أن الصلح العربي العربي هو أهم من لعبة الحرب مع إسرائيل.
وحاليا تورمت اسرائيل وتحاول بلع الشرق الأوسط فينتظرها تناذر الاختناق باللقمة (Choking) كما حصل مع إيران حين التهمت أربع عواصم عربية فهلكت.
