آراءثقافة

هل من وصفة ضدّ الاكتئاب الثقافي؟

لا بدّ من وصفة مضادة للأكسدة والرداءة الثّقافية، فإن كان قدرنا التاريخاني فرض علينا عنف هذا المنعطف، فعلينا أن نتذكّر جملة أمور من شأنها أن تخفف من حالة الاكتئاب الذي قد يصيب المثقف، فلا يكتفي بالعزلة بل بمقت الوجود.

لنتذكّر أنّ لكل زمان نسبته من الرداءة، ولأنّ التاريخ بخلاف الحاضر لا ينتقل إلينا بتفاصيل وآنات الرداءة، ولأنّه يصل إلينا كفكرة وليس كتحدّي معاش، فإننا غالبا ما نعتقد أنّ الرداءة شأن معاصر فقط. وفي هذا السياق سبق واقترحت طريقة في استحضار تلك التفاصيل، من خلال قياس الماضي على الحاضر وليس العكس، أي إعادة بناء الحدث ضمن مصفوفة متكاملة يلعب فيها الحدس دورا في استحضار ما أغفله المؤرخ. إنّ الكآبة والتفاهة تكمن في التفاصيل، والتاريخ مهما بدا لنا تفصيليا، لا يحتفظ إلاّ بأحداث متفرقة. ونستطيع من خلال تطبيق حقائق الطبيعة البشرية، أن نستعيد التفاصيل ذات الصلة بالحدث.

لنتذكّر أيضا، بأنّ المنعطف الكبير الذي تمرّ منه البشرية، هو في ذروة التحوّلات العقلية والاجتماعية والتاريخية، فمعدّل الرداءة يأتي هنا بقدر قوة المنعطف التاريخي.
تستطيع أن تخفف من وطأة الاكتئاب، وتحوّل مظاهر الرداءة إلى موضوع للتفكير التنذّري، لجعل الرداءة مطية لاكتشاف مستويات السموّ. المثقف لا يستسلم للرداءة، بل يقاومها بمزيد من التّأمّل، ويقضم أنف الزّيف ويفرك آذان المُغالطة.

المثقف حارس تاريخ المعنى، عدوّ الزّيف، يمتلك من الآليات الدفاعية ما يمكنه من فرز الحبّ عن التّبن في بيادر النّقد المعرفي والتحقيق. فالهجمة على الجودة خطيرة في سوق الأفكار، وسماسرة الثقافة لا يقلّون عن سماسرة السياسة، في امتطاء الإبل المجنّحة وشُرب أبوالها المنعشة.

الإفلاس الثقافي ليس مصادفة في الفن أو في الأدب أو في الفكر؛ بل هو استهداف للمثقف، محاولة ممنهجة لإصابته بخيبة الأمل والكآبة، ولكي تفلس الثقافة، لا بدّ من صناعة نخب من السعادين المستثقفة، نسانيس تقذفك من بعيد بقشور الموز.

هذا المعروض الفنّي استهتار بالذّوق والعقل، وكأنّ الفنّ هو تكرار بليد للمشهدية، فبات مصير الذوق العام بيد من لا ذوق لهم. ترى من يخاطب هؤلاء؟ لماذا تتكرر وجوه أثبتت عدم قدرتها على الإقناع الدرامي؟

التسطيح و “تسنطيح” الثقافيين قدر منعطفنا التاريخي. لا شيء أخطر على الثقافة أكثر من مثقفين مزيفين تمّ ختانهم بعد الستين، وأتقنوا رقصة المطر الهندية.

الإكتئاب علامة على رفض التّفاهة، فحتى تفاؤلنا يجب أن ينبثق من عنف هذا الاكتئاب، فالبونوريستية تخالف توتّر الطبيعة البشرية، والتاريخ لكي يتقدم، هو في حاجة إلى كل هذه المشاعر، في حاجة إلى الاكتئاب أيضا، الإكتئاب علامة دالّة على عنف التمييع الثقافي. نفتّش في سجلّات سادة التفكير، هربا من سُعار الرّداءة، هناك نستطيع أن نمسك بدالّة تحيلنا إلى تاريخ الانتحال، وموارد الإستتفاه الثّقافي.

يمكن أن يشاركك في هجاء الرداءة رديؤون من داخلها، اندكت الحدود، كل شيء بات ممكنا، هل يوجد أسوأ من أن تتنكر الرداءة لنفسها؟ هل من حدود لحماقتنا؟
نحن اليوم أمام ظاهرة المثقف-العطّار، المتجوّل ببضاعته في المداشر والقرى البعيدة لاستغفال الساكنة غير القادرة على فرز الفاسد من التّمثّلات. يبحث عطار الثقافة عن الغافلين، وأحيانا يبيع فاسد الأفكار إلى الأطفال، العطّار لا يكلّ ولا يهنأ له بال حتى يجد ضحايا لسلعته الفاسدة أو المسروقة، أو المنتحلة، لا يملك أن يبيع بضاعته في سوق الشطّارين، يبحث عن الإقناع في التبجيل الذي يستقبحه على غيره، العطّار لا يثق في معروضه، أعني بالعطار هنا، من يتجول ببضاعته الفاسدة حيث لا حسيب ولا رقيب.

إن أدركت ذلك، فاعلم أنّنا أمام تحدي أنطولوجيا الرداءة، تلك التي تعني حاضرنا خصوصا، لا مجال للإفلات من سورتها، غير أنّ لا بديل عن زرع ألغام في هذه التربة الخالية من سماد المعنى، ألغام تجعل المثقف الزائف، النابتة، لا يقدم ولا يؤخّر، وهو دور يتطلّب فراسة المثقف التي لا تخطئ أبدا.

نتساءل حول مصير جيل لا يميز بين الناقة والجمل في مشهد مسطول، المهمّة النضالية الأهم للمثقف في هذا العصر، أن يواجه مغالطة المثقف الزائف، بمزيد من التفكير وبوتيرة تربك قفزاته البهلوانية.

https://anbaaexpress.ma/x18qz

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى