عبدالله فضّول
ربما لا يكون التصالح مع الواقع استسلامًا، بل بداية لفهمٍ أعمق لما نحن فيه، وما يمكن أن نكون عليه.
فالقسوة التي نراها ليست دائمًا نهاية، بل قد تكون دعوة لإعادة تشكيل وعينا، لإعادة ترتيب أولوياتنا، وللإصغاء إلى ما كنا نتجاهله.
كنا، ونحن نحمل فتات أرواحنا، نحاول أن نرقص مع الوهم؛ لا لنُخادع أنفسنا، بل لنُقاوم السقوط.
سعينا إلى السراب لم يكن عبثًا، بل بحثًا عن ضوء، عن معنى، عن لحظة صدق وسط الضجيج.
حتى الضحك الذي تلاه الندم كان محاولة للنجاة، وكان الجرح الذي صلّينا منه بداية لشفاءٍ لم نكن نعرف شكله بعد.
الوهم الذي سيطر علينا لم يكن دائمًا عدوًا، بل أحيانًا كان مرآةً لما نحتاج أن نُواجهه.
الأيام التي بدت ساخرة كانت تُعلّمنا بصمت، تُعيد تشكيلنا، تُنضجنا.
والذاكرة التي أرهقتنا كانت تُضيء لنا الطريق، تُذكّرنا بما يجب أن نُغيّره، لا ما يجب أن نُكرّره.
في زمنٍ عاصف، النزق ليس دائمًا فوضى؛ بل قد يكون طاقة للتغيير، دافعًا للتمرد على الجمود، بداية لخلق جديد.
المصالحة في هذا السياق ليست نسيانًا ولا تبريرًا، بل هي وعيٌ ناضج يعيد ترتيب العلاقة بين الذات وتجربتها.
هي أن نحتوي الألم دون أن نغرق فيه، أن نحوله إلى فهم لا إلى خضوع، إلى بداية لا إلى نهاية.
مثل شخص انكسر قلبه من خيانة، لكنه بدل أن يكره الحب، جلس مع نفسه وفهم لماذا تألم، وتعلّم كيف يختار، وكيف يحمي قلبه في المرة القادمة.
ما سامح الخيانة، لكنه سامح نفسه لأنه صدّق، وتعلّم منها بدل أن ينهار بسببها.
هذه هي المصالحة: لا معناها ننسى، بل معناها نفهم ونكمل أقوى.
الزمن لا يُداوي وحده، لكنه يمنحنا فرصة لإعادة النظر، لإعادة الترتيب، لإعادة التوازن.
والذاكرة، مهما كانت مثقلة، يمكن أن تتحوّل من مسرح للخيبة إلى أرشيف للتعلّم، إلى خريطة للنجاة.
نحن لا نُعيد تمثيل الألم، بل نُعيد فهمه، نُعيد صياغته، نُعيد توظيفه ليكون دافعًا لا عبئًا.
المشكل الأكبر في واقعنا العربي المعاصر ليس في الانحدار ذاته، بل في تجاهل القدرة على النهوض.
نحن نملك أدوات الوعي، نملك إرثًا من التجربة، نملك ذاكرة قادرة على أن تُضيء لا أن تُطفئ.
التاريخ لا يُعيد نفسه عبثًا، بل يُعلّمنا إن أصغينا، ويُرشدنا إن فهمنا، ويمنحنا سلطة التغيير إن امتلكنا الشجاعة.
لا بد إذن من تعليم يُؤمن بالإنسان، يُعيد بناء الوعي على أساس من النقد والتأمل، ويتأسس عبر الحوار لا التلقين، عبر الشك البنّاء لا الخوف.
علّ جيلًا جديدًا يدرك أن النجاة لا تكون بالهرب، بل بالمواجهة.
وأن التصالح ليس ضعفًا، بل قوة.
وأن الفهم ليس نهاية، بل بداية لمسارٍ أكثر إنسانية، أكثر نضجًا، وأكثر إشراقًا.
* كاتب وقاص للقصة القصيرة جدا




