حين تفتح صفحات التاريخ، يطلّ المغرب بثقة دولةٍ عريقة لم تكن يومًا طارئة على الجغرافيا ولا عابرة في السياسة.
أكثر من اثني عشر قرنًا من الاستمرارية، لم تنقطع خلالها الدولة، ولم تسقط فكرة الكيان، في زمنٍ شهد انهيار إمبراطوريات وتفكك دول.
هكذا يقدّم المغرب نفسه: دولة ضاربة في العمق، متجذّرة في التاريخ، ومتجددة في الحاضر.
المغرب ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو ملتقى حضارات وذاكرة إنسانية حيّة. تعاقبت عليه الثقافات الأمازيغية والعربية والأندلسية والإفريقية والمتوسطية، فانصهرت جميعها في نسيج اجتماعي متماسك، قائم على التعايش والتنوع.
هذا التنوع لم يكن مصدر صراع، بل كان دائمًا عنصر قوة، أسهم في تشكيل شخصية مغربية منفتحة، واثقة، ومتوازنة.
جغرافيًا، يجمع المغرب في وطن واحد ما تفرّق في غيره: سواحل ممتدة على المتوسط والأطلسي، وسلاسل الأطلس الشامخة، وسهول خصبة، وصحراء عميقة الامتداد والرمزية.
تنوع طبيعي انعكس على أنماط العيش، والاقتصاد، والثقافة، وحتى اللهجات، ليصبح المغرب لوحةً متكاملة لا تملّها العين ولا يملّها الزائر.
سياسيًا، يمثل المغرب نموذجًا فريدًا في تداول السلطة داخل الحكم الملكي. فمنذ الدولة الإدريسية وصولًا إلى الدولة العلوية، ظل الانتقال في الحكم يتم بسلاسة واستقرار، بعيدًا عن الانقلابات والفراغات الدستورية.
تقوم هذه الاستمرارية على شرعية تاريخية راسخة، وعلى نظام البيعة الذي شكّل عبر القرون عقدًا سياسيًا وأخلاقيًا بين الملك والشعب، حافظ على وحدة الدولة وتماسك مؤسساتها.
وقد نجح المغرب في التوفيق بين الشرعية التاريخية والحداثة السياسية، فحافظ على مكانة المؤسسة الملكية كضامن للاستقرار ووحدة البلاد، وفي الوقت ذاته انفتح على التعددية الحزبية، والتداول الحكومي، والإصلاحات الدستورية، ليقدّم تجربة إصلاحية هادئة، بعيدة عن الصدام، وقائمة على التدرج والعقلانية.
إقليميًا ودوليًا، رسّخ المغرب حضوره كفاعل موثوق، ينتهج دبلوماسية متزنة، ويؤدي أدوارًا محورية في محيطه العربي والإفريقي والمتوسطي.
أصبح جسرًا للتواصل بين الشمال والجنوب، وشريكًا أساسيًا في قضايا الأمن، والتنمية، والتعاون الاقتصادي، مستندًا إلى سياسة خارجية واقعية، تحترم السيادة وتبني المصالح المشتركة.
داخليًا، شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة نهضة تنموية واضحة، شملت البنية التحتية، من طرق وموانئ ومطارات، إلى مشاريع استراتيجية كبرى، وانفتاح اقتصادي جذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق بيئة أعمال تنافسية. تنمية لم تكن شكلية، بل مسارًا متواصلًا يهدف إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحسين مستوى العيش.
وفي المجال الرياضي، تحوّل المغرب إلى قوة صاعدة، بفضل رؤية واضحة واستثمارات كبيرة في البنية التحتية والمنشآت الحديثة. ملاعب بمعايير عالمية، تنظيم محكم، وجمهور عاشق للرياضة، جعلت من المملكة نموذجًا في استضافة التظاهرات الكبرى.
وقد برهنت استضافة كأس إفريقيا على الجاهزية العالية، وحسن التنظيم، وكرم الضيافة، فيما يأتي الاستعداد لاحتضان كأس العالم القادم ليؤكد أن المغرب لا يشارك فقط في صناعة الحدث، بل يقوده بثقة.
ولعلّ سرّ المغرب الحقيقي لا يكمن فقط في تاريخه أو تنميته أو استقراره، بل في إنسانه. فكل من زار المغرب، يصعب عليه مغادرته دون حنين. دفء الاستقبال، تنوع الثقافات، تعدد اللهجات، وكرم الضيافة، تجعل الزائر يشعر بأنه بين أهله، لا غريبًا عن المكان.
لقد كسب المغرب محبة الشعوب قبل إعجاب النخب، واحترام العالم بالفعل لا بالشعارات. لذلك، لم يعد القول «المغرب ديما الأفضل» مجرد عبارة عاطفية، بل توصيفًا لواقع دولة اختارت الاستمرارية، وراكمت الإنجاز، وقدّمت نموذجًا في الاستقرار والتنمية والانفتاح.
المغرب.. تاريخٌ لا ينقطع، دولةٌ لا تغيب، وحكاية نجاح تتجدد.




