حينما تمكن المغرب من استضافة البطولة الإفريقية لكرة القدم، كل الدول المعنية وغيرها من خارج القارة توقعت في ذلك الحدث الرياضي أن يكون حدثًا استثنائيًا وغير مسبوق في تاريخ تلك البطولة، باستثناء النظام الجزائري الذي خرج عن السرب كما هو متعارف عليه.
ومنذ الوهلة الأولى أخرج كل ما في جعبته من أجل الحيلولة دون تمكين المغرب من الوصول إلى لحظة الحقيقة التي لطالما تمنى ألا ترى النور. وهنا أول ما يمكن طرحه من تساؤلات: على ماذا بُني موقف النظام الجزائري؟ وكيف يمكن تفسير هذا الموقف؟
في واقع الأمر ليست هناك مبررات موضوعية، بل كلها مجموعة من الافتراءات ومن وحي خيال قيادة ترتمي في أحضان المجهول، وليس لها أدنى خشية من أي كلام تدفع به في لحظة تهور وانفعال دون تحسب لارتدادات ذلك عليها. نظام لا يعرف لجادة الصواب طريقًا، يوزع اتهامات من دون وعي ولا ينتبه ما إذا كانت مطابقة للواقع أم لا.
من جملة ما استند عليه الجيران في حملتهم المسعورة أن المغرب ليس مؤهلًا لتنظيم كأس إفريقيا، حجتهم في ذلك أنه بلد لا يعرف الاستقرار من جهة، ومن جهة أخرى أن الملاعب التي يروج لها المغرب ما هي إلا ملاعب “فوطو شوب”.
بل أكثر من ذلك ورطوا أنفسهم من غير وعي في مقارنات من قبيل أن تلك الملاعب التي يعتز بها المغرب لا ترقى بنياتها إلى مستوى ملاعب البلديات في الجزائر.
ولكل هذه الأسباب دعا النظام الجزائري الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم “الكاف” إلى إلغاء أو نقل هذه البطولة إلى بلد آخر.
المغرب من جانبه نأى بنفسه ولم يلتفت إلى هذه الترهات، بل ترك الواقع يتحدث عن حاله، وترك الأمر بيد “الكاف” التي أفحمت النظام الجزائري بما لم يكن لديه في الحسبان، وهو أن المغرب سيظل البلد الأول والثاني والثالث وإلى آخر القائمة، البلد الوحيد المنظم لهذه البطولة. لقد كان ذلك الرد بمثابة الصفعة الأولى التي تلقاها النظام الجزائري قبل انطلاق البطولة الإفريقية.
ولأن المنحوس دائمًا منحوس، ولو علق على رأسه الفانوس، سيبقى النحس ملازمًا له أبد الدهر، كان النظام الجزائري قد علق الأمل وكادت أن تنفرج أسارير وجهه بعد أن حسب أن السماء قد غضبت على المغرب بنزول عواصف على مدى أسبوعين وما يزيد.
وفي لحظة كان النظام الجزائري يعقد عليها الأمل واعتقد أنه قد كسب الرهان، فإذا بأمطار الخير تثبت أن الملاعب التي أُقيمت هي من صنع المغرب، أبانت عن عبقرية الإنسان المغربي، وأن أرضية تلك الملاعب أُعدت لكي لا يكون لها مثيل في العالم.
والمغرب في هذا الصدد لم يرفع من مكانة إفريقيا في مواجهة أوروبا، بل رفع السقف حتى على الأوروبيين أنفسهم. الكل استغرب وتعجب باحترام أن كل هذا الطوفان لم ينل من أرضية هذه الملاعب.
ومن لم يصدق حاول بنفسه، كما فعل اللاعب الدولي الجزائري “رياض محرز” حين لمس العشب أمام أنظار الحكام، لا أدري إن كان ذلك من باب التأكد واليقين أم بنية إدخال الشك، فعلى نياتهم يُرزقون.
لقد فشل النظام الجزائري في مقاربته التي كان هدفها بالأساس ألا يتمكن المغرب من قص شريط الانطلاقة.
الانطلاقة هي الأخرى كانت بمثابة الصفعة الثانية التي تلقاها النظام الجزائري، وذلك في حفل افتتاح تابعه العالم كله بانبهار لم يُعرف له نظير حتى في الملتقيات العالمية.
رسالة الحفل استوعبها الجميع باستثناء النظام الجزائري، الذي أحس بثقل الحفل ونزل عليه كالصاعقة، لما زينه ولي عهد المملكة بنزوله إلى أرضية الملعب وأخذه وقته الكافي بين اللاعبين والحكام يلتقط معهم الصور رغم الأمطار الغزيرة التي لم يُبالِ بها من دون مظلة شتوية، وهي شهادة تدل عن تواضع الأمير المواطن.
كما عكست رسالة الحفل البعد الإنساني الذي يزخر به الموروث المغربي عبر الأجيال والحقب، وعكست العمق الإفريقي والتعريف بتراثه، وأن ما يتمسك به المغرب من انفتاح وتسامح وتعايش بين الأديان ومن سياسات اليد الممدودة كان حاضرًا بقوة في هذا الحفل الذي صنع الحدث، وكان مقدمة للعرس الإفريقي بأنواره وألوانه الممتزجة فيما بينها بكل تناغم وانسجام.
وعن الأسباب التي كانت وراء الموقف المشوش للنظام الجزائري، ليس هناك من سر أو لغز، ما دامت النوايا مكشوفة ويسهل على أي كان أن يقرأها. فهي واضحة في تقطيب النظام الجزائري لحاجبيه. ما خشيه النظام الجزائري من الوهلة الأولى كان وما يزال مصدر قلق له، وهو أن تتيح هذه البطولة الإفريقية للجماهير الجزائرية أن تشد الرحال إلى المغرب.
وما كان يخشاه النظام الجزائري قد تحقق غصبًا عنه، فتدفقت الجماهير الجزائرية من كل فج عميق. واضطر النظام أن يرسل من جهته جحافل من رجال المخابرات تحت أقنعة رجال الإعلام لمواكبة الإعلاميين الجزائريين، وحثهم على نقل مشاهد عن المغرب لإعطاء صورة مسيئة للبلاد، وفي الوقت نفسه لملاحقة أنشطة أبناء الجالية الجزائرية المقيمة في الديار الأوروبية. كل تلك المحاولات اليائسة والبئيسة لم تنل ولو قيد أنملة من مظاهر التطور والازدهار الذي عرفته المملكة الشريفة في كل المجالات.
عامة الناس من الجزائريين الذين حلوا بالمغرب وقفوا على أولى الحقائق، وهي أن الدعاية الكاذبة التي لطالما انتهجها النظام الجزائري لا علاقة لها بما وجدوه في المغرب من تقدم في مجالات عديدة. إلى حد أن هناك من تساءل بينه وبين نفسه ما إذا كان من الظلم أن نبقي هذا البلد بالصور النمطية في عداد الدول ذات البنيات المتخلفة. الجزائريون والجزائريات تحدثوا باندهاش وانبهار أمام معالم الرقي في هذا البلد، ومنهم من توجه مباشرة إلى حكام الجزائر ودعاهم إلى إيقاف حملتهم المغرضة والاهتمام بأوضاع الشعب الجزائري عوض الانشغال بالمغرب الذي هرب عنهم بمئات السنين الضوئية.
هذا الانبهار لم يشمل فقط الجماهير الجزائرية، بل تجاوزها إلى النجوم العالمية التي جاءت لتتبع هذا العرس الرياضي. نجوم من أصل جزائري أصرت هي الأخرى على المجيء إلى مغرب المعجزات والتحديات، مغرب جمال النفوس والطبيعة، وقد نوهت بالبنيات الرياضية ووصفتها بـ”العالمية”، بعدما حطمت الأرقام القياسية من حيث مدة الإنجاز، والطاقة الاستيعابية، ومقاومتها لتغير الأحوال الجوية.
فالمستحيل ليس مغربيًا، والعبقرية لا يمكن لها إلا أن تكون مغربية. لم نرفع التحدي في وجه النظام الجزائري لأننا لا ننظر إلى الأسفل، ولكننا نرفعه في وجه الكبار ليكون لنا وزن. لقد اعتدنا على التماهي مع الهامات والشهب، وهذه هي الحالة النفسية للشعوب الضاربة في القدم، ولسنا كأولئك الذين يرون في أنفسهم “القوة الضاربة”.
فما يبذله النظام الجزائري من إفراط مبالغ فيه تجاه المغرب هو عربون إحساس بالنقص، وعربون تفوق المغرب عليهم، وهو فوق كل ذلك حالة مرضية ستبقى ملازمة لجنرالات الجزائر، فعليهم أن يعرضوا أنفسهم على أطباء من ذوي الاختصاص.
