آراءالشأن الإسباني
أخر الأخبار

الغُزاة هم المستثمرون.. من يشتري إسبانيا؟

عبدالحميد البجوقي

ماذا لو كان الإسبان، طوال هذه السنوات، يبحثون عن «الغزاة» في المكان الخطأ؟

في الحراك الشعبي الذي انفجر في الشوارع الإسبانية بسبب أزمة السكن، بدأ يتردد شعار يقلب إلى حد بعيد، معنى النقاش الدائر حول أسباب أزمات إسبانيا التي يُروِّجُ لها اليمين المتطرف.

“الغزاة هم المستثمرون”. هذا الشعار ليس استعارة موجهة ضد المهاجر، بل العكس تماماً.

المهاجر الذي يصل إلى إسبانيا يبحث عن العمل، ويدفع الإيجار، ويستهلك، ويساهم في الضرائب، ويشارك في خلق الثروة، بل إنه، في كثير من الأحيان، يكون من أوائل ضحايا أزمة السكن نفسها.

العامل الأجنبي والشاب الإسباني قد يجدان نفسهما أمام المالك نفسه، وصندوق الاستثمار نفسه، والإيجار نفسه الذي يستحيل تحمله.

هذا الشعار الذي ترفعه التظاهرات الشعبية في أغلب المدن الاسبانية يُفسِّرُ وعياً بأن الصراع الحقيقي حيثُ يتحول المسكن من كونه مكاناً للعيش إلى أصل مالي يُشترى ويُراكَم ويُستثمَر لتحقيق الأرباح. خصوصا حين يبرز السؤال الأكثر إزعاجاً:

من أين تأتي هذه الأموال؟

لقد فتح تدخل النائب عن حزب اليسار الجمهوري الكتالوني، غابرييل روفيان، في البرلمان الإسباني باباً ربما يجدر بنا ألاّ نسارع إلى إغلاقه.

لماذا انتقل حزب “جونتس” الكطلاني اليميني الانفصالي من اعتبار مشروع مرسوم السكن الذي تقدمت به حكومة بيدرو سانشيز قابلاً للتفاوض إلى التصويت ضده؟ ولماذا تحدث النائب الكتلاني عن الحزب الجمهوري عن “المُقابل”؟ و«مقابل ماذا؟». والأهم من ذلك، ماذا كان يعني حين ربط موقف حزب «جونتس» اليميني الكطلاني بمصالح عقارية أجنبية؟

هذه ليست أسئلة هامشية، اتهام النائب الجمهوري علناً حزب «جونتس» اليميني بأنه «يسدد ديناً»، وأنه يدافع عن مصالح عقارية من شأنها الإضرار بآلاف المواطنين، رسالة واضحة بأن لوبيات عابرة للحدود أحكمت قبضتها على هذا القطاع وعبره تُحاول التأثير في المشهد السياسي الإسباني، وانتهى فريق الحزب اليميني الكطلاني في البرلمان الوطني بالتصويت إلى جانب الحزب الشعبي و«فوكس»، ضد مرسومي الحكومة المتعلقين بالسكن، بعدما كان قد شارك في المفاوضات بشأن أحدهما.

يبدو المشهد هنا أكبر من مجرد خلاف برلماني، إنه يطرح سؤالاً عن الجهة التي تملك القدرة على التأثير في السياسة الإسبانية عندما تكون مليارات اليوروهات مرتبطة بالعقار. وهنا يدخل عامل آخر إلى المعادلة، الرأس المال الأجنبي.

من يشتري إسبانيا؟

يشهد سوق العقارات الإسباني حضوراً مهماً للاستثمارات الدولية. ومن بينها شركات وصناديق مرتبطة برؤوس أموال إسرائيلية.

في هذا السوق نجد شركات “سوكيمي”، وصناديق استثمار، وشركات لإدارة الأصول، ومكاتب عائلية، ومستثمرين دوليين كبار، ومن بينهم رؤوس أموال ذات منشأ إسرائيلي.

وتُظهر الوثائق الرسمية لشركة Galil Capital RE Spain SOCIMI أن غيل أبراهام شويد كان يمتلك، في يونيو 2023 نسبة 59.11 في المائة من رأسمال الشركة، وهو ما تؤكده أيضاً وثائق بورصة مدريد.

وقد حافظت الشركة على أصول عقارية سكنية تتركز بصورة خاصة في مدريد وبرشلونة، كما وثّقت مصادر مالية استخدام شويد، مؤسس شركة “تشيك بوينت”، لهذه البنية الاستثمارية للدخول في سوق المباني السكنية الإسبانية.

وهناك أيضاً تقارير تُوثق صلات بين رؤوس أموال إسرائيلية وبعض الاستثمارات العقارية في كتالونيا، من بينها “Galil Capital” و”VBARE”.

وتُقِرُّ “Galil Capital” نفسها بنشاطها الاستثماري في الأصول السكنية الإسبانية، ولا سيما في برشلونة ومدريد.

وهنا يبرز سؤال آخر، هل يمكن لتركيز رأس المال الأجنبي في قطاعات استراتيجية أن يتحول، في مرحلة ما، إلى نفوذ يتجاوز حدود السوق؟

ليس من الضروري أن نتخيل مؤامرة حتى نطرح هذا السؤال، المال يشتري المباني، والمباني تُدرّ العائدات، والعائدات تُولّد القوة الاقتصادية، والقوة الاقتصادية، في أي نظام ديمقراطي، قد تبحث في نهاية المطاف عن النفوذ السياسي.

ومن ثم فإن السؤال الأكثر إثارة للقلق ليس جنسية المهاجر الذي يستأجر بيتا، وإنما جنسية وبنية وشبكات أولئك القادرين على شراء مبانٍ كاملة، أو أحياء بأكملها، أو أعداد ضخمة من العقارات السكنية.

وهنا تحديداً تستحق مصادر بعض الاستثمارات نظرة أكثر تدقيقاً، ليس بهدف استهداف جنسية بعينها أو تحميلها مسؤولية جماعية، وإنما لطرح أسئلة بسيطة وأساسية:

من يشتري ماذا؟ وبأي أموال؟ ومن خلال أي شركات؟ وبأي علاقات وشبكات؟

كل هذه المعطيات والمؤشرات تعود بنا إلى شعار الحراك عن الغزاة الحقيقيين الذين يهددون إسبانيا، عن المستثمر الأجنبي وحصره في جنسية معينة.

لسنوات طويلة، جرى الحديث عن الهجرة باستخدام كلمات من قبيل “الاجتياح” و”الغزو” و”الحرب الهجينة”، والمفارقة تستحق التأمل.

تحمل عبارة “الغزاة هم المستثمرون” انقلاباً دلالياً قوياً، المهاجر لا يصل عادةً إلى إسبانيا وهو يملك رأس المال الكافي لشراء مبنى كامل. يصل حاملاً حقيبته، باحثاً عن عمل وعن سكن، ثم يكتشف أن السكن الذي يحتاج إليه يوجد داخل عقار مملوك لصندوق استثمار، أو لشركة «سوكيمي»، أو لشركة استثمار عقاري.

“المحتل” المفترض لم يعد بالضرورة ذلك الشخص الذي يعبر الحدود بحقيبة على ظهره، وإنما قد يكون ذلك الذي يعبرها برأس مال يكفي لشراء جزء من المدينة.

وفي هذه الحالة قد يجد المهاجر نفسه، إلى جانب الشاب الإسباني، ضحيةً للعملية نفسها، عملية الحرمان من الحق في السكن.

من العقار إلى السياسة.

وهنا تظهر الفرضية الأكثر حساسية، هل يمكن لتغلغل رأس المال الأجنبي في قطاعات مثل السكن أن يتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى شكل من أشكال التغلغل السياسي؟

ليس بالضرورة عبر أوامر سرية أو مؤامرات خفية، الأمر يمكن أن يحدث بوسائل أكثر حداثة وأقل وضوحاً، عبر المصالح الاقتصادية، والشبكات التجارية، والوسطاء، والضغط القطاعي، والتمويل، والعلاقات المؤسساتية، والقدرة على التأثير في بعض السياسات العامة.

وإذا كنا نتحدث عن التدخلات الأجنبية في الشأن الداخلي، فربما ينبغي لنا أن نوجه أنظارنا أيضاً إلى المال.

ربما يكون السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي هو هل يمكن لرأس المال، حين يتراكم في قطاعات استراتيجية، أن يصبح أداة نفوذ تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة؟

ربما تدخل إسبانيا اليوم مرحلة جديدة من النقاش السياسي، حيث لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين المهاجرين والمواطنين الأصليين، وقد يكون الصراع الحقيقي بين السكان والصناديق العقارية، وبين السكن والمضاربة، وبين المدينة ومنطق الربحية.

بالتأكيد ليس المهاجر هو من يرفع كلفة حياة الإسباني. قد يكون هو نفسه، إلى جانب الإسباني محدود الدخل، عاجزاً عن دفع الإيجار.

في المقابل، يستطيع رأس مال قادم من أي مكان في العالم أن يشتري محفظة كاملة من المساكن، من دون أن يضطر صاحبه إلى الإقامة في إسبانيا، أو التحدث بالإسبانية، أو حتى معرفة الحي الذي يستثمر فيه.

ربما حان الوقت لأن ينظروا أقل إلى جواز سفر من يستأجر مسكناً، وأن ينتبهوا أكثر إلى مصدر وجواز عبور الأموال التي تشتري المساكن.

قد يعبر الشخص الحدود بحثاً عن مكان يعيش فيه، بينما يعبرها رأس المال لكي يمتلك المكان نفسه.

https://anbaaexpress.ma/nx0m4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى