المغرب يدخل مرحلة جديدة في مساره الدفاعي مع استكمال بناء أول منشأة صناعية مخصصة للطائرات المسيّرة بمنطقة بنسليمان، في خطوة تعكس تحوّلًا واضحًا في عقيدة الأمن القومي للمملكة.
فالمشروع لا يقتصر على إنشاء بنية صناعية إضافية، بل يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تقليص الاعتماد على الخارج وبناء قدرات ذاتية في مجال الصناعات العسكرية المتقدمة.
ومن خلال الشراكة التقنية مع شركة BlueBird Aero Systems الإسرائيلية، ينتقل المغرب من موقع المستهلك للتكنولوجيا الدفاعية إلى فاعل يسعى لامتلاك أدوات الإنتاج والمعرفة التقنية.
هذا التحول يعكس إدراك الرباط لأهمية الطائرات المسيّرة في الحروب الحديثة، سواء في مجالات الاستطلاع أو المراقبة أو الدعم العملياتي، كما ينسجم مع نهج تدريجي يعتمد على التكوين ونقل الخبرة وبناء رأس مال بشري قادر على إدارة وتطوير هذه المنظومة مستقبلاً.
ويأتي هذا التوجه في سياق إقليمي يتسم بتغيرات أمنية متسارعة، ما يجعل امتلاك قدرات دفاعية متقدمة ضرورة استراتيجية وليست مجرد خيار تقني.
الأبعاد الاقتصادية والشراكات الدولية
إلى جانب البعد العسكري، يحمل مشروع بنسليمان رهانات اقتصادية وتنموية مهمة، إذ ترتبط الصناعات الدفاعية بسلاسل إنتاج عالية التقنية تخلق فرص عمل نوعية وتدعم نقل المعرفة إلى قطاعات مدنية مثل البرمجيات والذكاء الاصطناعي والاتصالات المتقدمة.
كما يعكس المشروع مقاربة مغربية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لطرف واحد، بما يضمن هامش مناورة أوسع واستفادة من خبرات متعددة.
فالرباط لا تسعى إلى الانغلاق أو القطيعة مع شركائها التقليديين، بل إلى بناء استقلالية استراتيجية تدريجية قائمة على التعاون المتوازن.
ومن المتوقع أن يشكل مصنع المسيّرات نواة لمنظومة صناعية أوسع، تمتد استخداماتها إلى المجالات الأمنية والمدنية، مثل مراقبة الحدود وإدارة الكوارث.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري في بنسليمان يتجاوز كونه مشروعًا محليًا، ليصبح مؤشرًا على دخول المغرب مرحلة جديدة من السيادة الصناعية والدفاعية، قوامها الابتكار والشراكات الذكية وتعزيز الحضور الإقليمي في مجال التكنولوجيا العسكرية.





تعليق واحد